فى زمن أصبح فيه لكل سلعة ثمن ولكل خدمة ثمن، فى زمن أصبح فيه لكل شىء مادى ثمن، ولكل شىء معنوى ثمن، فلا غرابة ولا غضاضة أن يكون للتغيير فى أى مجال من مجالات حياتنا ثمن!!
وإذا كان أمر تغيير أى مجال من مجالات حياتنا يستلزم سداد الثمن المقابل له فإن الضرورة تستلزم إحكام العقل والمنطق قبل الإقدام على طلب التغيير "ذو الفاتورة" على الأقل للتأكد من مدى جاهزية المجتمع جميعه لسداد قيمة فاتورة هذا التغيير التى هى وجوبية فى شكلها، جوازية فى مضمونها، بمعنى أن السداد فيها إن كان حتمياً ووجوبياً رضاء وارتضاءً، فإن طريقة السداد تحتمل أن تكون واحدة من ثلاثة طُرق، الأولى بشكل نقدى عاجل إذا كانت الجيوب عمرانة، والثانية بشكل نقدى آجل إن لم تكن الجيوب كذلك، وربما الثالثة تتمحور حول ضرورة الانتظار قليلاً حتى تجهيز الثمن إذا خلت الجيوب منه فى الوقت الراهن!!
أقول قولى هذا وذهنى مشغول فى الأساس – مع الفارق الكبير- بتلك الأحداث العصيبة والمُحزنة والكئيبة التى مرت بها مصرنا الحبيبة والعزيزة كما مر بها جميع المصريين طوال أسبوع مضى، ومازالت مستمرة للأسف الشديد حتى الآن بصورة نتمنى من الله عز وجل أن يجعل لها خاتمة ونهاية سعيدة بإذنه تعالى.
بدأت الأحداث الجسام بمجموعة من خيرة شباب مصر أتاح لهم المناخ الديمقراطى الذى يتنفسونه الخروج فى تظاهرة سلمية فى حماية النظام الشرعى للدولة اختاروا لها يوم 25 يناير زماناً، واختاروا لها ميدان التحرير بوسط القاهرة وبعض ميادين فى محافظات أخرى مكاناً..
وقد أطلقوا فيها رسالتهم الجريئة ذات المعنى الجميل الذى تمثل على العموم فى المُطالبة بإجراء تغيير فى المناخ السياسى والدستورى والتشريعى القائم إلى نظام آخر يرونه الأفضل لمستقبل بلد فى وزن وحجم وقيمة وقامة مصر، وهى فى ذات الوقت مطالب شرعية ومشروعة سبق أن نادى بها العديد من القوى السياسية المناوئة للنظام فى جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، ولا أُبالغ حين أقول إنها مطالب قد سبق أن نادى بها أيضاً بعض أركان النظام ذاته فى أكثر من مؤتمر وأكثر من منتدى، ولا أُبالغ كذلك حين أقول إنها مطالب قد سبق الرد عليها جميعاً بردود وإجابات وتفصيلات ربما لم يقتنع بها السائلون حيناً، وربما لم تستوعبها مسامع الحكومة بدقة حيناً آخر، وربما لم ترتض بها ثقافة وحماسة هؤلاء الشباب حيناً ثالثاً!!
وعلى العموم كذلك، وإن كان لا بأس أبداً من خروج فئة من فئات الشعب على اختلافها وتنوعها فى تظاهرة سلمية تُعيد وتُكرر ما سبق المناداة به من مطالب طالما هى مطالب شرعية ومشروعة، فالتكرار كما نقول دوماً ووفق ثقافتنا يُعلم الشُطار، وفى قول آخر يُعلم (.......)!!
ولكن البأس كل البأس هو أن هؤلاء الشباب الشرفاء نسوا أن المناخ الديمقراطى الذى سمح لهم بالتظاهر السلمى لعرض مطالبهم فى يوم 25 يناير هو ذات المناخ الذى يُحتم عليهم الانصياع لضروراته وأوامره ونصوصه، فلا تظاهر طول الوقت، ولكل تظاهرة نهاية.
وكان ينبغى عليهم وضع نهاية لها بالعودة إلى ديارهم بعد أن سجلوا رسالتهم بعلم الوصول لرأس الدولة مباشرة بدلاً من الاستمرار فى معاندة الشرعية ومعاندة القانون والتهديد بالبقاء فى ساحة الميدان وتعطيل مصالح البلاد والعباد، وهو الأمر الذى لا يُقره قانون أو منطق، ولا يقره العقل الجمعى لغالبية أفراد المجتمع..
هو الأمر الذى أثار رجال الشرطة القائمين على تنفيذ القانون وورطهم فى استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين لإخلاء ميدان التحرير، وما أدراك ما ميدان التحرير، فهو "سُرة القاهرة وقلبها" التى لا تستقيم حياة القاهرة بدون إخلائه من المتظاهرين للاستعداد لصباح يوم عمل جديد.
ثم هو الأمر الذى زاد من عناد المتظاهرين ضد الشرطة وضد الدولة، فقرروا العودة للميدان يوم 28 يناير وأعلنوه يوماً للغضب، وأصروا على عنادهم غير المبرر، خاصة بعد إعلان رأس الدولة استلام الرسالة والبدء فى تنفيذ ما جاء فيها بكل دقة وموضوعية.
وهو الأمر الذى أفقد مصر والمصريين جزءا كبيراا من إمكاناتهم وإمكانياتهم، وثرواتهم ومجهوداتهم، وهو كذلك الأمر الذى خسرت من ورائه مصر والمصريين عشرات من ملايين الجنيهات نتيجة تخريب ودمار منشآت عامة، خاصة وتعطيل مصالح البلاد والعباد لمدة قاربت على 10 أيام متواصلة.
ثم أخيراً - هو الأمر الذى جعل مصر والمصريين يقومون بسداد عاجل لفاتورة تغيير كان من المُمكن أن يكون سدادها آجلاً!!
فهل من استيعاب الدرس؟! وهل من عودة إلى حياة الاستقرار الذى فقدناه بعد أن كُنا نتغنى به ونفخر به؟! وهل من عودة إلى العقل والتعقل والرُشد والرشاد؟! وهل من عودة للقوات المُسلحة الباسلة إلى ثكناتها، فعدونا على الحدود أولّى بهم!!