( لست بطلا أو رمزا أو فارسا أنا بطل كى بورد) إنها كلمات عفوية صادقة ومعبرة خالية من أى تصنع أو تنطع أو استعلاء نطق بها لسان وائل غنيم مفجر ثورة مصر على صفحة الفيس بوك والذى جعل التغيير الذى كان حلما مطلبا وتيارا شعبيا خلال فترة وجيزة.
توقفت عند هذه الكلمات وسؤال يطاردنى: لماذا لم تستطع الأحزاب والجماعات الموجودة على الساحة إيجاد مثل هذا النموذج من الشباب القادر على المبادرة والفعل الذاتى رغم ما لديها من إمكانيات وبرامج وموجهين ومنظرين.
لقد أثبتت التحديات الحالية عجز هذه الجماعات والأحزاب عن مسايرة هذه الأحداث، فقد أعلنت رفضها المشاركة فيها فى بداية الأمر لاقتناعها بعدم جدواها أو خوفا من النتائج السلبية التى ستعود عليها فى حال عدم نجاحها، وكلا الأمرين نتيجة الفشل فى قراءة الحدث قراءة صحيحة.
لاشك أن هذه الجماعات والأحزاب، وخاصةً الكبرى منها المعروفة، قد أدت دوراً إيجابياً قلَّ أو كثر، وأوجدت مناخاً إسلامياً وإصلاحيا عامَّاً، وأوجدت -بفضل الله- أجيالاً من الشباب المسلم يتفهمون الإسلام، ويعملون من أجله، ويستعدون للتضحية فى سبيله، هذا مما لا خلاف فيه.
ولكن على الجانب الآخر، فقد عملت على أن يكون ولاء الفرد للجماعة أو الحزب، وحصرت العلاقات الخاصة الذاتية به فى إطار الجماعة أو الحزب كونه عضوًا فيها، مقتصرا على جماعته وحزبه، وأبعدته عن الاحتكاك بفئات أخرى من المجتمع، وجعلته غير آبه بما يجرى فى ساحات الحياة إلا من منظور وتصورات حزبه وجماعته، وغير منتبه إلى المحكات العملية مع الناس، ومع المؤسسات الأخرى الدعوية منها وغير الدعوية، حتى إذا تعامل معها تعامل معها من مكان عل مستعليا عليها، وإن هم أحدهم بأن يفعل أمرًا أو يتخذ قرارًا لا يكون إلا بعد الرجوع لقادته.
وهذا حد من ملكات الفرد، وجعل منه تابعًا مقلدًا، محدود التفكير، مهزوز الثقة، لا طاقة له على الإبداع والابتكار، ولا على التعامل كعنصر بنَّاء له كيانه المستقل فى المجتمع.
وجاءت هذه الثورة لتدق جرس الإنذار معلنة أن من أخطر الأمور التى تواجه هذه الأحزاب و الجماعات أن يسيطر الجمود الذهنى عليها، فلا تعود عندها القابلية للتجدد والتحسين، أو أن يسيطر عليها مقولات وقوالب لا تناسب الواقع، أو تسيطر وسائل وأساليب يصعب تركها، تارة تحت مسمى أنها من الثوابت، أو توجسا من كل ما هو جديد.
هذا الواقع الجديد يحتم على القائمين على هذه الجماعات والأحزاب بإعادة النظر والمراجعة فى المناهج المعمول بها والوسائل المتبعة، وتوفير آليات للتعامل مع الأفكار والوسائل الجديدة التى يطرحها أبناؤها واعتبارها نقاط قوة وليست نقاط ضعف كما يروج البعض،
كما يجب عليهم أن يفتحوا النوافذ والأبواب أمام هذا الجيل للعمل والعطاء والفاعلية باكتشاف هذه الرموز العبقرية والتفتيش عنها بين كوادرهم وما أكثرها لولا النمطية فى الأداء وتحنيط الكفاءات، حتى لا تتحول إلى بيئة طاردة للمبدعين والمفكرين.
لقد آن الأوان أن يدركوا هذه الحقيقة فى تعاملهم مع هذا الجيل بحكمة بالغة، فلا سبيل للرجوع إلى الوراء، ولا سبيل لتجاهل حقيقة الواقع وشكله الجديد.