لا يمكن مهما أبدعت الأقلام.. وتدفقت من الكلام كل عذوبة.. أن نعبر عن مدى الفرحة التى تجتاح قلوبنا وترتفع بها هامتنا.. فمصر اليوم بلا قيد أو سجان.. فمصر نالت حريتها بدماء شهداء الميدان، لحظات فارقه لا وقت فيها لتحليل سياسى أو كلام عن شرعية الدساتير القائمة أو ما هى الحكومة المتوقعة، ومن هم مرشحى الرئاسة القادمين.. كل هذا سيكون له وقت آخر للتحليل والتنبؤ.
أما الآن فمصر تحيا من جديد بعزيمة شبابها وإصرارهم على نيل مطلبهم حتى آخر لحظة دون تراجع أو تفاوض.. فالثورات تنشئ واقعاً جديداً يلزم فرضه على الجميع.. مصر الآن لا مكان فيها لخوف من أجهزة أمنية قمعية.. سلبت المصريين كرامتهم وأحسستهم أنهم بلا أوطان، وأن أحدا غيرهم قد اغتصب بلادهم العظيمة.. مصر اليوم لا مكان فيها لفاسد يستولى على أموال دافعى الضرائب، ولا يجدا أحدا يسأله من أين لك هذا فتتعظم ثروته ويعز ملكه ويزيد من فقر الآخريين من أبناء وطنه.
مصر اليوم سيكون لها مجالس تشريعية رقابية ومحلية صادقة تعبر عن آمال شعبها، واختياراته الحرة يحاسب فيها أكبر فرداً قبل كل من حوله.. مصر اليوم ستعود لريادتها العظيمة التاريخية التى حرم العرب من بهائها بفضل هذا التغيب والتيه الذى لازم تلك الحقبة البائدة.. فنقلت منا السيادة التاريخية.. ودخل أقزام إقليميين يلعبون دوراً فى محيطنا بعد أن تركت مصر دورها وفقدت زعامتها.. مصر اليوم أكثر دفئا لأبنائها من سقيع أحضان غير أحضانها اضطر إليه خيرة شبابها، بعد أن وجدوا أن بلادهم لا مكان فيه لتميز أو إبداع إنما المكان فيه للمحسوبيات والقرابات والعلاقات الأسرية.
مصر اليوم سوف تشهد إعلاماً حقيقياً ناصعاً رائداً لا تطبيل فيه ولا زمر.. فيه نقل الحقيقة ومسائلة للمذنب وفضحا للفاسد.. إعلاماً لا نشهد فيه أقزاما يقودون أعز صحفنا وأنبلها تاريخا وملاصقه لأجمل ذكريات الأمة وأمجادها.. مصر اليوم لا مكان فيها لمؤسسات دينية تابعة للدولة تغنى ليل نهار بنبل القادة وحكمتهم البالغة وتخرص ألسنتها أمام ظلماتهم وفسادهم وطغيانهم ومواقفهم الضعيفة من قضايا الأمة المصيرية فيفقد الناس بها ثقتهم ويهجرها الشباب، فتخلق كيانات بديلة يضطر الناس للارتماء فى أحضانها فتفسد عقولهم وتغيبها.
مصر اليوم لا مكان فيها إلا لتعليم حقيقى يسمى بالطالب ويجعله يدرك أن لتعبه فائدة ولنبوغه تقدير، تعليم يشرف عليه من أنار علوم الدنيا كلها وحرمت مصرنا منهم إما لموقف سياسى أو شبيه يخشى منها أن تهز كراسى سارقى الوطن ومغتالى أحلامه.. مصر اليوم وبمساعدة أبنائها وبتضافر مجهودهم لا مكان فيها لعشوائيات وساكنى قبور.. تقضى على براءة أبنائها وتحولهم لسارقين ومغتصبين وهاتكين للحرمات.
هذه صورة من مصر التى حلم بها كل أبناء جيلى وخرجوا يوم الثورة المجيدة فى الخامس والعشرين من يناير، ليطالبوا بها.. هذه صورة مصر التى من أجلها استشهد أعذب وأنقى أبناء الوطن ومحبيه وعاشقيه من أجل أن يروا مصرهم بها.. ومن أجل أن ينعم كل أبنائها بخيراتها. لقد عادت مصر ولا إمكانية لرجوعها.. عادت لريادتها وعزتها وكرامتها.. عاشت مصر والمجد لشهدائها.
صورة أرشيفية