لا أخفى إعجابى بشخصية وأداء مرشد الإخوان المسلمين السابق «مهدى عاكف»، رجل صلب، مقتحم، يواجه خصومه بلياقة الرياضى القديم، قرر ترك موقع المرشد طواعية ليلة عيد الميلاد قبل الماضى، نقل لى تهنئته بالعيد فى مكالمة تليفونية رقيقة، ودار بيننا حوار قصير لطيف، وفى صدام الإخوان الطويل مع نظام مبارك تعاطفت معهم، ووقعت على بيان يرفض إحالتهم إلى محاكمات عسكرية، ورأيت أن من حقهم أن يكونوا طرفا أصيلا فى الحياة السياسية، هذه ليست منة، لكنه حق من حقوق المواطنة.
يوم السبت الماضى طالعتنا «اليوم السابع» بحوار مع «مهدى عاكف»، صال وجال فيه، لم تذهب عن الرجل روحه الاقتحامية، أو الصراحة المعهودة فيه.. لكنى لم أفهم أن يدعو الأقباط المختلفين مع الحكم الإسلامى إلى الرحيل، مودعا إياهم بعبارة «مع السلامة»، كنت أتصور أن رجلا عاش خبرة سياسية متصلة - من العهد الليبرالى، إلى سجون عبدالناصر، إلى الإقامة فى دول عديدة بعضها أوروبى، ثم انتهى به الحال مرشدا للإخوان المسلمين لسنوات ساخنة، ملتهبة - لا يصدر عنه تصريح فج، غير حصيف، لا يعى فيه اللحظة السياسية التى نعيشها.
لم أكن أتوقع أن يضع «مهدى عاكف» نفسه فى المرتبة ذاتها مع الشيخ «محمد حسين يعقوب» صاحب غزوة الصناديق، والداعى إلى هجرة الأقباط إلى كندا، والشيخ «وجدى غنيم» الذى غلبته صراحته الفجة، وأخرجت مكنون مشاعره الخفية عندما قال للأقباط «غوروا!!» بالطبع كان «عاكف» مهذبا عندما قرر أنه سوف يودعهم بعبارة «مع السلامة»، رقة وعذوبة، ومشاعر فياضة.
كنت أتوقع أن رجلا مثل «مهدى عاكف» يرد على سؤال يتعلق بمخاوف الأقباط، وتفكير بعضهم فى الهجرة إلى استنكار الأمر برمته، ويؤكد أن المصريين جميعا، متساوون فى الحقوق والواجبات، ومصر بلدهم، لا يصح أن يخرج منها مصرى، وهذه مسؤولية التيار الإسلامى، الذى يعلن دوما أنه التيار الرئيسى فى المجتمع، لم يشأ «مهدى عاكف» أن يستعين ببعض من العبارات البلاغية، والكليشهات اللغوية، التى لن تضر ولن تفيد، حتى هذه لم يقوَ عليها، ولم يستطع أن يفعلها، فسبقته انفعالاته الحقيقية، وعبرت عن مكنون نفسيته، إنه يريد مصر بلا أقباط، يريد أن يرحلوا، وسوف يغلب مشاعره الرافضة لوجودهم، ويقول لهم «مع السلامة».
الغريب أن يقول «مهدى عاكف» هذا الكلام، ويخرج فى ذات اليوم «السبت» فى صحيفة «الأهرام» سعد الكتاتنى - أمين عام حزب الحرية والعدالة - ردا على نفس السؤال بقوله إن الأقباط شركاء لنا، وحقوقهم مصانة بالشريعة الإسلامية.. من يعبر عن الفكر الحقيقى للإخوان «عاكف» أم «الكتاتنى»؟
وضعت هذا التناقض فى موقف قطبى الإخوان المسلمين على صفحتى على «الفيس بوك»، تاركا الأمر للتفكير والتداول بينى وبين أصدقائى عبر موقع التواصل الاجتماعى، من علق على التصريحين رأى أنه انعكاس لموقف قديم ومتناقض عند الإخوان المسلمين، وهو منطق الاستكانة فى السابق ثم السعى إلى التملك والتمكين فى الوقت الراهن، ورأى آخر أن تضارب التصريحات يعكس التخبط الداخلى فى الإخوان المسلمين نتيجة عدم قدرتهم على ملاحقة التغيرات العاصفة التى تحدث فى المجتمع المصرى منذ 25 يناير إلى الوقت الراهن.
تتعدد التفسيرات، ولكن المسألة التى تبدو محل اتفاق هى أن الناس من حقها أن تقلق مع صعود الإسلاميين بوجه عام، خطاباتهم مقلقة، تصريحاتهم متناقضة، مواقفهم متحورة، القضية ليست فقط أقباطا ومسلمين، ولكن صراعا حول مستقبل شكل الدولة والمجتمع، ما بين التعددية أو الواحدية، الانفتاح أم الانغلاق، إلخ.
الإخوان المسلمون فى لحظة فارقة عليهم أن يحسموا أمرهم، إما أن يكونوا فى صف الدولة الحديثة، أو أن يختاروا البقاء على فكر التنظيم الخاص!