بيشوى رمزى رياض يكتب:الأصوات المتطرفة ومستقبل العالم

الجمعة، 04 نوفمبر 2011 08:50 م
بيشوى رمزى رياض يكتب:الأصوات المتطرفة ومستقبل العالم صورة ارشيفية

لم أتعجب كثيرا عندما قرأت فى الآونة الأخيرة التصريحات، التى خرج بها علينا القسيس الأمريكى المتطرف تيرى جونز، والذى أحدث ضجة عالمية كبيرة عندما هدد من قبل بحرق نسخة من القران الكريم فى الذكرى التاسعة لأحداث الحادى عشر من ستمبر، احتجاجا على بناء مسجد فى منطقة "Ground Zero"،وهى المنطقة التى شهدت الاحداث المؤسفة عام 2001، ثم قيامه بحرق نسخة من المصحف فى مارس الماضى، معلنا خلاله تصريحاته الاخيرة نيته عن الترشح لانتخابات الرئاسة الأمريكية.


فى الواقع أن إعلان المتطرف جونز عن نيته فى هذا التوقيت، الذى تزايدت فيه الأصوات المتطرفة فى العالم، يثير التساؤل حول الدور الذى قد يلعبه المتطرفون، فى رسم السياسات العالمية والدولية، خلال المرحلة القادمة، خاصة وأن جونز قد أعلن خلال تصريحاته أيضا الحرب على ما أسماه "الاسلام الراديكالى"، إذا وصل الى الرئاسة فى الولايات المتحدة الأمريكية خلال الانتخابات القادمة.


وهنا نجد أن جونز قد يتبنى، فى حال وصوله الى البيت الأبيض، فكرا أشد تطرفا من ذلك الفكر الذى تبناه الرئيس الأمريكى السابق، جورج بوش الابن، الذى رفع لواء الحرب "المقدسة" على الارهاب، والتى ربط فيها الإرهاب بالدين الإسلامى وهو ما ساهم بشدة فى تفشى ظاهرة الاسلاموفوبيا داخل المجتمعات الغربية بشكل عام. وقد كلفت تلك الحرب الولايات المتحدة ليس فقط خسائر مالية وعسكرية، انما هددت ايضا المكانة الدولية التى تمتعت بها الولايات المتحدة الامريكية كقوى عالمية وحيده، فى ظل تصاعد قوى اخرى تسعى لمناطحة القوى العظمى فى العالم.


لعل الأزمة الحقيقية التى يعانيها جونز وأمثاله، سواء بالشرق أو الغرب، هى أنهم دائما ما يروجون لأنفسهم باعتبارهم صوت الله على الأرض، وهو ما يظهر دائما فى تصريحاتهم. فلو نظرنا الى هذا القسيس المتطرف نجد أنه دائما ما يتصرف باعتباره مؤد لمهمة سماوية، وبالتالى فان معارضته تعتبر معارضة لله. وبالتالى فان انغماس مثل هؤلاء فى العمل السياسى يتناقض تماما مع مباديء الديموقراطية وحرية التعبير.


وتتطابق هذه الرؤية الى حد كبير مع تلك الرؤى التى يتبناها العديد من الاسلاميين فى الشرق، والذين يرون أنفسهم كذلك رجال الله وصوته على الأرض. ولعل التصريحات الاخيرة، التى صدرت عن أحد مرشحى رئاسة الجمهورية فى مصر مؤخرا، والتى قال فيها "مستحيل أدى صوتى لواحد هو نفسه مش هيدى صوته لربنا"، فى اشارة منه الى رفضه الكامل للتصويت فى صالح الليبراليين والعلمانيين، تعكس التطابق فى الرؤى بين جونز ونظرائه فى الشرق.


من هنا نجد أن العالم أمام حالة من المد المتطرف، والتى يسعى خلالها المتشددين، للسيطره ليس فقط على المنابر داخل المؤسسات الدينية، ولكن يسعون للتمدد للسيطرة على كراسى السلطة. وهو ما يعد تهديدا صارخا للاستقرار والسلام الاجتماعى داخل العديد من الدول، التى تشهد تنوعا فكريا أو دينيا أو ايديلوجيا، خاصة وأن أنصار تلك الرؤية لايؤمنون بمباديء المواطنة والمساواة، لاسيما أنهم يعتقدون أنهم وحدهم، دون غيرهم، من يستأثرون بالحقيقة المطلقة. وبالتالى فان المجتمع سيفقد استقراره وأمنه ووحدته، نظرا لقيامه على أساس تمييزى، وقد شهد العالم العديد من الأمثلة فى هذا الإطار كالسودان والصومال وغيرها.

من ناحية أخرى اذا سيطرت تلك الافكار على مقاليد الأمور فى مختلف الدول، سيجد المجتمع الدولى نفسه مضطرا الى طرح نظرية صراع الحضارات من جديد، والتى نادى بها الأمريكى صموئيل هنتنجتون عام 1993، و التى تقوم على أن العلاقة بين الشرق والغرب ستقوم الصراع بين الحضارة الاسلامية، والحضارة الغربية، ليحل محل الصراع الأمريكى السوفيتى الذى انتهى بنهاية الحرب الباردة عام 1989، وهو مايهدد استقرار العالم وأمنه وسلامه، ويضعه على محك صراع جديد، قد يأكل الأخضر واليابس.


أعتقد أن المسئولية الأكبر تقع الان على كاهل شعوب العالم، والتى تملك وحدها الاختيار، بين الوسطية والاعتدال من ناحية، وبين الفكر المتطرف الذى قد يودى بعالمنا الى التهلكة من ناحية أخرى، وهنا ينبغى علينا أن تنظر الشعوب بعين الاعتبار الى النماذج الأخرى التى شهدها العالم، والتى عاشت حروبا دامت لعقود طويلة من الزمن، أدت الى نهايات ماساوية أطاحت بالاستقرار وقوضت طموحات وأحلام الشعوب فى تحقيق حياة كريمة أو مستقبل أفضل.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة