علاء عبدالفتاح ليس بلطجيًا، ولا توجد أدنى شبهة تسوّغ حشره ضمن زمرة البلطجية. فهو معروف «أبًّا عن جد» لمعظم المهتمين بالشأن العام، ورغم أنه لا يزال فى شرخ الشباب، فإن له سجلّا حافلًا قبل ثورة 25 يناير وأثناءها فى الدفاع عن الوطن والأمة. وهو أحد الثوار الذين نفخر بهم وبنضالهم.
ولذلك كانت مفاجأتنا كبيرة، ومضاعفة، عندما وصلتنا أنباء عن إلقاء القبض عليه.
فالمفترض فى أعقاب اندلاع ثورة عظيمة، ولا مثيل لها فى مصر أو العالم بأسره، أن تتصدر نشرات الأخبار أنباء عن ملاحقة زبانية النظام السابق الذين عاثوا فى الأرض فسادًا، فأفسدوا الحياة السياسية، كما أفسدوا الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وكأنهم تشكيل عصابى وليسوا رجال دولة، وكانت نتيجة هذا التحالف البشع بين الاستبداد والفساد خراب مصر وتراجع مكانتها الإقليمية والدولية.
هؤلاء الذين ارتكبوا هذه الجرائم التى تصل إلى حد الخيانة العظمى لا يزال معظمهم مطلق السراح، ينعمون بحريتهم وثرواتهم، بل إن كثيرًا منهم لا يزال يتمتع بنفوذه ويجلس فى مواقع السلطة وصنع القرار، وكأنه لم تحدث فى البلاد ثورة خلعت رئيسهم وبعض زعانفه.
ليس هذا فحسب، بل إن بعض هؤلاء يتأهبون للعودة إلى مقاعد السلطة التشريعية من خلال الانتخابات البرلمانية المرتقبة، بعد أن تبددت مطالب الثوار بضرورة العزل السياسى لكل من شارك فى إفساد الحياة السياسية خلال عصر الرئيس المخلوع حسنى مبارك، وفى مقدمة هؤلاء بطبيعة الحال قيادات الحزب الوطنى المنحل بحكم قضائى.
ولم يكتفِ من يجلسون فى مواقع السلطة، بعد الثورة، بهذا «الغموض غير البناء»، حيث مازالت حكومة الدكتور عصام شرف تقدم رِجلا وتؤخر أخرى فى حسم مصير قانون «الغدر» والعزل السياسى لقيادات نظام مبارك التى شاركت فى إفساد الحياة السياسية.
بل إن هؤلاء المتنفذين امتلكوا الجرأة، التى لم يمارسوها ضد فلول حسنى مبارك، لجرجرة الثوار إلى السجون، وهذا ما حدث بالضبط مع المناضل علاء أحمد سيف الإسلام عبدالفتاح والعديد من أقرانه.
ورغم أن المشير محمد حسين طنطاوى، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، كان قد وعد بوقف إحالة المدنيين للمحاكمة العسكرية، فإن واقع الحال يحكى لنا قصة أخرى، حيث تمت إحالة علاء عبدالفتاح ورفاقه إلى النيابة العسكرية. والاتهامات الموجهة إليه معروفة، لكن كل من يهتم بالشأن السياسى يعرف أن هؤلاء الشباب الثوريين ليسوا «بلطجية»، وليسوا مخربين أو محرضين على مخالفة القانون بأى صورة من الصور، وإنما هم أصحاب رأى يمكن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الرأى، لكن لا يجب حجبه أو وضع أقفال من حديد على أفواه أصحابه، وإحالة علاء وزملائه إلى القضاء العسكرى مخالفة صريحة للقوانين الدولية المعنية بحقوق الإنسان، ومنها المادة الرابعة من العهد الدولى التى تنص على عدم جواز محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكرى حتى فى حالات الطوارئ.
وما قلناه فى السطور السابقة ليس «اكتشافًا»، فهذه مسألة بديهية يعرفها المجلس العسكرى، ويعرفها سعاة مجلس الوزراء قبل أصحاب المعالى الوزراء، وهذا ما يزيد الاستفزاز والشعور بالصدمة من الإصرار على تحدى البديهيات، ومن قبلها تحدى الثوار ومطالبهم المشروعة.
والسؤال للجالسين على مقاعد الحكم «المؤقت»: ماذا تريدون أن تفعلوا بمصر؟ وإلى أين تريدون لسفينة الوطن أن تبحر؟!
ولماذا هذا الاستفزاز المزدوج، باضطهاد «الثوار»، وفى نفس الوقت تدليل «الفلول»، خاصة فى هذه الفترة الانتقالية الحساسة، التى نجحت تونس - إلى حد بعيد - فى اجتيازها، بينما نحن نتخبط ونتقدم خطوة للأمام ونعود عشر خطوات إلى الخلف؟!