سؤال يحيرنا جميعا، إلى متى نستطيع الصمود أمام صعوبات المرحلة الانتقالية؟ نجاح ثورتنا المصرية المباركة غمرنا جميعا بالفرحة والتفاؤل، وكانت اللحظة الحاسمة هى تنحى الرئيس السابق وسقوط النظام الاستبدادى. زادت حالة التفاؤل والأمل فى تحسن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عبر عنها الشعب فى إعطاء ثقته الكاملة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة فى إدارة شئون البلاد وحماية الإرادة الشعبية. عقب الثورة ساد مناخ جديد أعطانا الأمل فى تحقيق الأمن والعدالة الاجتماعية، ولكن حتى اليوم نجد صعوبات أمنية واقتصادية أدت إلى الكثير من المليونيات والإضرابات والاعتصامات.
بالنسبة للأمن خفت حدة السطوة الأمنية التى وصلت إلى حد التدخل فى تعيين الموظفين والمعلمين والمعيدين بالجامعات، وبدا تحسن ملحوظ فى معاملة رجل الشرطة للمواطنين، سواء فى الشارع أو أقسام الشرطة، وتمت السيطرة على الكثير من أعمال البلطجة والسرقة بالإكراه وتجارة المخدرات وتهريب السلاح، ولكن مازال الطريق طويلا جدا لإحداث اختراق فى مجال تغيير العقيدة والعقلية القديمة عند بعضٍ من رجال الأمن، ثم عمل مصالحة شاملة بين الجهاز الأمنى والشعب الذى دفع الثمن غاليا فى أيام الثورة المباركة، ووقف العمل بقانون الطوارئ السيئ السمعة.
بالنسبة للحالة الاقتصادية فهى معقدة جدا، لأسباب كثيرة أهمها خسائر كبيرة لحقت بالاقتصاد المصرى، وخاصة فى مجال السياحة التى تحملت الجزء الأكبر من ضريبة الثورة وخسائر أخرى بسبب الإضرابات الكثيرة والمتكررة، مما أدى إلى انخفاض أجور العاملين فى المجالات السياحية والاستثمارية، وزيادة كبيرة فى أسعار السلع الأساسية مع أزمات مصطنعة فى البنزين والغاز وسلع استراتيجية أخرى مثل السكر والأرز. كل هذا التضخم ابتلع ما بقى للعاملين من رواتبهم التى كثيرا ما يتأخر صرفها بسبب نقص السيولة. وعلى مدى أكثر من ستة أشهر لم تفلح أى حكومة فى رفع الحد الأدنى للأجور وتحديد الحد الأقصى بما يضمن عدالة توزيع المبالغ المخصصة لبند الأجور فى الميزانية وليس زيادتها والمبالغ الهائلة الموجودة بالصناديق الخاصة والتى مازال يتم نهبها بالقانون. أضف إلى هذا زيادة صرف الحكومة على السلع الاستهلاكية والدعم الحكومى الهائل فى مجال الغذاء والطاقة على حساب الصرف على إصلاح التعليم والصحة والطرق وخلافه.
بالنسبة للحالة السياسية أخيرا صدرت المراسيم اللازمة لإجراء الانتخابات البرلمانية فى خلال الشهور القادمة بمواعيد محددة.
وازداد الأمل فى تقصير فترة المرحلة الانتقالية الخطيرة جدا على بلدنا مصر، خاصة أن الأداء الاقتصادى لم يحدث فيه تغير كبير ولم تستطع الحكومة رفع الحد الأدنى أو تحديد الحد الأقصى بما يضمن عدالة اجتماعية، ولا يستطيع أحد السيطرة على الأسعار أو البطالة أو التضخم، مما أدى إلى الزيادة الهائلة فى الإضرابات فى المدارس والمستشفيات والموانئ وهيئة النقل العام، ومن المتوقع أن تزداد حدة ومعدلات هذه الإضرابات بسبب فقدان الأمل والثقة.
بالرغم من المحاكمات إلا أن الدولة مازالت لم تفلح فى محاربة الفساد الذى تحول إلى ثقافة وممارسة مجتمعية بالمعنى الشامل والحقيقى، مازال فساد الكبار منتشرا فى ربوع الوطن، لدرجة وجود تناغم بينهم فى ممارسة الاحتكار وتوزيع المزايا. وأيضا فساد الصغار والفقراء، حيث لم تعد ممارسات الفساد والرشوة والوساطة والمحسوبية تقتصر أو تنحصر فى الكبار وحدهم، بل إنها وعبر سياسات الإفقار واتساع الفجوة فى الدخول وارتفاع الأسعار المستمر وغياب "القدوة" فى قمة هرم السلطة والمجتمع وتآكل دور أجهزة الرقابة التى قد تسربت إلى ممارسات الناس العادية، وأعتقد أن الأزمات المتتالية فى السلع المهمة ما هو إلا نموذج لهذا الفساد الممنهج، الذى مازال ينهش فينا كمصريين بالرغم من القضاء على استقواء رجال الأعمال بالنظام واستقواء النظام بهم.
كلنا نعلم أن الحل يكمن فى سرعة إجراء الانتخابات البرلمانية وتشكيل حكومة يدعمها البرلمان لإصدار تشريعات قوية إصلاحية للتغلب على المشاكل الاقتصادية، والبدء فى وضع دستور جديد يتوافق عليه كل أطياف المجتمع المصرى، لذلك من هنا من على هذا المنبر أطالب المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى فعل ما عليه وخطى الخطوة الضرورية بسرعة إجراء الانتخابات الحرة والنزيهة، والتى تعتبر نقطة البداية لتحقيق أهداف الثورة المباركة الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة وتوفير كل المقومات الأمنية التى تضمن النزاهة والحرية.
وأيضا أطالب الأحزاب ورجال السياسة بوضع الأهداف الحزبية الضيقة جانبا وكذلك محاولات القفز على كراسى السلطة والحكم بشعارات جوفاء، سواء كانت دينية أو غير دينية، والبعد عن أدوات الحزب المنحل فى إدارة المنافسة الانتخابية وكلنا يعرفها ويحفظها عن ظهر قلب الأدوات التى تمكن من الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها، وأطالب كل المصريين الشرفاء، وكلنا منهم إن شاء الله أن يحسنوا الاختيار بأمانة ووطنية بعيدا عن التأثر بالشعارات الرنانة أو المال السياسى الفاسد، وأطالب الحكومة بضمان نزاهة الانتخابات وبإجرائها فى جو من النزاهة والشفافية إن شاء الله.
هيا بنا إلى انتخابات حرة ونزيهة لعلها تحررنا وتصل بنا إلى بر الأمان.
ثورة 25 يناير