د. سعيد إسماعيل على

تلميذ مسلم فى مدرسة قبطية

الأربعاء، 19 أكتوبر 2011 03:51 م


استدعت الأحداث إلى ذاكرة صاحبنا مسلم الديانة، ما كان له عندما التحق عام 1951، بمدرسة الثانوية النهارية بالفجالة، التى كان يملكها إمبراطور المدارس الأهلية وقتها: راغب مرجان، مسيحى الديانة، وعندما أصبح فى الصف الثانى الثانوى «الإعدادية الآن»، كان مقرر التاريخ، يتصل بالعصور الإسلامية، وكان مدرسه قبطيا. برزت المشكلة، من البداية، لاتصال الأجزاء الأولى بعصر النبوة، فلاحظ التلاميذ أن المدرس، ينطق اسم «محمد» بالعامية، «بكسر الميم الأولى»، بينما تعَوّد المسلمون نطقه بالفصحى بضم الحرف. وإذا كان المسلمون مطالبين بأن يلحقوا الاسم بعبارة «صلى الله عليه وسلم»، فلم يكن المدرس ملزما بذلك، مما أبرز قلقا لدى التلاميذ المسلمين. وزاد الإشكال أن المدرس عندما كان يذكر واقعة تتصل بمعجزة نبوية، يسبقها بقوله «.. بيقولوا..»، بلهجة تشكك، مثل الإسراء والمعراج، فزاد هذا من ضيق التلاميذ المسلمين، ففكروا فى «تطفيش» المدرس.

اتفقوا على الصياح بصوت جماعى بقول «عليه الصلاة والسلام» ، عقب نطق المدرس لاسم النبى، وكان النطق باسمه يرد كثيرا، وبالتالى يتكرر الصياح الجماعى بالصلاة والسلام على الرسول.

بدا على المدرس الضيق، ولكنه استطاع كتم ضيقه، عندئذ قدم التلاميذ شكوى لمدير المدرسة، القبطى، فأمر فورا بتغيير المدرس.

وانتهز التلاميذ فرصة كرم المدير، فشكوا إليه أيضا، عدم وجود «مصلى»، يؤدون فيها صلاة الظهر التى تحين وقت «الفسحة»، فإذا بالرجل يأمر بتخصيص مربع جانبى فى حوش المدرسة للمصلى! وكان الغريب فى الأمر أنه فى كل مرة، كان لابد أن يقف طالب ليؤذن للصلاة، ، حيث القول بشهادة أن «لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله»!

وعندما أخذ شريط هذه الأحداث الماضية يمر أمام صاحبنا اليوم سأل نفسه: ترى لو كان هذا حدث فى أيامنا الحالية، هل كان يتخذ المسار نفسه؟

كانت الإجابة فورية بالنفى.. فمن الممكن أن ينشر الطلاب على «الفيس بوك» أن مدير المدرسة القبطى يضطهد الطلاب المسلمين، وأن المدرس يسخر من رسول الإسلام، ويشكك فى معجزات النبوة، ومن الممكن أن يستنكر المدير طلب التلاميذ نقل المدرس ويتهمهم بأن يدا خارجية تحركهم لزرع الاضطراب فى المدرسة بحكم مسيحيتها.. ويصبح ممكنا أيضا أن تعقد برامج «التوك شو» مناقشات عن وصول القوى التى لا تريد خيرا بمصر إلى داخل المدارس لتحريض التلاميذ وإيقاع فتنة !!

وعندما تساءل صاحبنا بينه وبين نفسه: كيف تمر هذه المواقف، منذ ستين سنة، زمن التخلف، هكذا سلسلة هادئة، يحكمها التعقل وإحسان الظن، بينما تسير عكس ذلك، فى أيامنا، حيث التفجر المعرفى والتقدم العلمى؟

لا تفسير إلا فيما عاش فيه المصريون، عقودا طويلة، قهرا واستبدادا، جعلهم يختزنون مشاعر سخط وضيق، لا يستطيعون تفريغ شحناتها، فإذا جاءت فرصة، ولو بسيطة، انفجر الموقف، «كالقِدْر» فوق النار يغلى، دون أن تكون هناك منافذ للتنفيس، فيكون انفجارا...وهكذا فإن استمرار الممارسات الديمقراطية الصحيحة، والتى سوف تأخذ وقتا، لتصبح الاحتقانات الحالية، غير جالبة لتوترات وقلاقل، بل يحكمها الهدوء والتعقل وإحسان الظن.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة