أكد الناقد الدكتور صلاح فضل أن النموذج الثقافى والحضارى المصرى لو تفاعل مع الثقافة الخليجية منذ خمسين عامًا فما كان لمصر أن تصل إلى ما هى فيه من ريادة وحضارة تبهر العالم، موضحًا أن الفكر الوهابى بفقره وبتجريديته وبقضائه على الفن وكل ما يؤدى إلى ازدهار الروح وسموها، حرم المسلمين من أجمل ما كانوا يحلمون بزيارته، وهو التاريخ الحضارى للدينى الإسلامى فى شبه الجزيرة العربية، وتم القضاء على ما اكتشفته البعثات الأثرية من "كعبات" ممثلة أو شبيهة بالكعبة المشرفة، مثل كعبة "الفاو" التى سووا بها الأرض، مشيرًا إلى أنه يحتفظ بمجلد حول هذه الكعبة التى أبهرت مكتشفيها وما بها من خزاف ونقوش رائعة.
وقال د.صلاح فضل، رئيس الجمعية المصرية للنقد الأدبى، مساء أمس، خلال افتتاحه للموسم الثقافى، بحضور عدد كبير من الأدباء والنقاد، إن الإنسان قبل وجود الأديان اخترع حياة العالم الآخر، فتصور الميزان والعدل والحساب الدقيق الذى ينتظره، وجاءت الأديان من بعده لتصدق عليه تصوراته، موضحًا أن أى نموذج ثقافى عندما يكون ثريًا ومشبعًا بروح الفن لا بد أن يطبع هذه الروح فى طبيعة السبيكة الدينية، ولكن كثيرا من رجال الدين السذج يحرمون الفنون، ويخلقون جدلاً وهميًا بين الفن والديانات.
وشدد "فضل" على أنه لا يمكن بأمثال فكر السلفيين ومن يتبعونهم من الوهابين أن تبنى حضارة، مدللاً على ذلك بما فعلوه خلال الأعوام الماضية فأغروا أفغانستان بفكرهم فكان الدمار حتى اليوم، وأغروا السودان فوصلت إلى ما نشاهد السودان عليه، وكذلك أغروا الصومال فأصبحت خالية من الفن والعلم بحجة الصفاء الدينى، متسائلاً: فهل يكون بوسعنا أن نتنازل عن نموذجنا الثقافى الذى هو الشكل الثقافى هذا يستحيل عمليا أن يحدث.
وحول ما يميز النموذج الثقافى المصرى عن غيره من بعض النماذج، أوضح "فضل" أن من أهم هذه السمات هى أنه منفتح على الآخر بدليل أنه استوعب التعدد الدينى لسنوات طويلة لا تشوبه إلا بعض الأحداث لفترات طويلة، ولذلك فإن من يتصورون أو يتوهمون أن هناك ما يسمى بالصفاء العرقى فهم متخلفون لا شك، لأنه لو نظرنا للنموذج الثقافى المصرى فى أعمق طبقاته سنجد الأصل الفرعونى والبيزنطى والقبطى والإسلامى فى صدر الإسلام، والمملوكى العثمانى التركى وتفاعله مع شعوب البحر الأبيض المتوسط من يونان وغيرهم، ثم الاندماج مع الثقافات الإنجليزية خلال الاحتلال، كل هذه القدرة على الاحتواء والتشبع يجعلنا نقول إن هذا النموذج ليس خالصًا لأى من هذه الطبقات، هو عبارة عن مصهر تفاعلت فيه كل هذه العناصر بخواصها المختلفة لكى تنتج فى نهاية الأمر هذا الميزان وما يعكر هذا المزاج اليوم دخيل عليه وشوائب تعترض طريقه.
وقال "فضل"، إننا تخاذلنا فى العهود الماضية، وقبلنا مرغمين هذا النموذج السلفى، وهدمه للنماذج السامية السمحة التى بثها الشيخ محمد عبده فى تلميذه قاسم أمين، وتراجعت "ثورة السفور" بانتشار الحجاب فى الأعوام الأخيرة من القرن العشرين، ظنًا بأن هذا الملبس استكمال للروح الدينى، وأنا أدعوا كل المثقفات أن يقرأن عن الحجاب ليتأكدن أنه ليس فريضة، ولدينا الشاهد فى ضرب عمر بن الخطاب رضى الله عنه لأمة عندما تشبهت بالحرائر فقال لها "أتتشبهين بالحرائر يا لكاع" والشاهد هنا أن هذه الأمة إما كانت لأبى بكر أو عثمان رضى الله عنهما، ولا يعقل أن الجارية لم تكن مسلمة، إضافة إلى أن عمر رضى الله عنه لم يكن ليضرب امرأة سترت تفعل ما أمر به الدين الإسلامى، وكذلك فى الآية القرآنية "وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ" وكان القصد منها تغطية منطقة "الصدر" لأن النساء مولعات بإظهار أثدائهن.