تابعت مظاهرات الغضب أمس الثلاثاء، بعين الفاحص والمدقق، والمحلل السياسى، أكثر مما تابعتها باعتبارى مواطنا مصريا غاضبا مثل عشرات الآلاف الذين عبروا عن غضبهم، وقالوا كلمتهم، وبعثوا رسالتهم، لكل من يهمه الأمر.
مصر غاضبة بسبب الفساد، وغاضبة بسبب انسداد الأفق السياسى، وبسبب الفقر، وبسبب غياب الأمل، وبسبب تعطل كل مصاعد التغيير فيها.. وبسبب وجود حكومة هى الأسوأ فى تاريخ مصر، وبسبب وجود حزب حاكم لا يرى سوى نفسه، ولا يسمع سوى صوته.
رسالة الغضب الشعبى كانت قوية وواضحة، وعمت كل المحافظات المصرية من القاهرة إلى الدلتا والقناة وسيناء، وشارك فيها مواطنون من كافة الأعمار والطبقات وإن غلب عليها الشباب.
رسالة الغضب المصرى كانت محترمة وديمقراطية، ولم يتخللها عنف أو سلب أو تدمير، وحرص الغاضبون على التعبير عن غضبهم بمنتهى الحرية والانضباط، والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة على حد سواء، وحرصوا على عدم الاحتكاك بقوى الأمن، وعلى عدم تصعيد المواجهات، أو اختطاب التعبير السلمى لصالح أى قوى سياسية مهما كان حجمها.
تحية لكل من شارك فى يوم الغضب المصرى، تحية لكل من أوصل رسالة قوية للحكومة بأنها فقدت مبررات وجودها، وللحزب الوطنى الحاكم، بأن عليه أن يتغير أو سيغيره الناس.
الحياة فى بلدى لم تعد ممكنة، فالفقر ليس هو كل شىء، إنما يترافق معه فساد غير مسبوق، وفى كل القطاعات، فساد يجعل الفقر نتيجة لسوء الإدارة وليس لقلة الإمكانيات، ولو كان الفقر بسبب قلة موارد الدولة لتحملناه، لكن رسالة الأمس تقول إن الفقر فى هذا البلد نتيجة سياسات حكومية فاشلة، واختلال فى توزيع الدخل العام، ودائرة فساد متسعة، تحصد معظم ثمار النمو بينما الشعب يموت من الجوع.
مظاهرات الغضب تقول إن الحزب الوطنى أغلق كل طاقات التغيير فى البلد، واستحوذ ليس فقط على السلطة التنفيذية، وإنما على كل شىء، حتى أصبحت عضوية الحزب الحاكم هى المصوغ الوحيد لعضوية اتخاد الطبة ومجالس إدارات الشركات العامة، ورؤساء الأقسام وعمداء الكليات، ورؤساء الجامعات، ورؤساء الوحدات القروية والمدن والمحافظين وحتى مديرى الإدارات فى أصغر مصلحة حكومية.
يوم الغضب المصرى رسالة مهمة مفادها أننا لن نكون غرباء فى وطننا بعد اليوم، رسالة على الحكومة والحزب الوطنى أن يعياها جيدا، قبل أن يجرفهم تيار التغيير الشعبى الذى انطلق من محطة الثبات التى ظل قابعا فيها لسنوات.. الرسالة صدرت تغيروا قبل أن تغيروا رغما عنكم.