خالد صلاح

محمد الدسوقى رشدى

القنبلة المختلة عقلياً

الخميس، 20 يناير 2011 12:19 م

إضافة تعليق

لم يعد الخطر كامنا فى التنظيمات السرية اليسارية لأن اليسار لم يعد موجودا، ولا فى الإخوان المسلمين لأنهم مشغولون بأنفسهم ومشاكلهم الفكرية والتنظيمية، الخطر كما تقول التقارير الأمنية الخاصة ببعض القضايا الأخيرة موجود فى كل شارع وكل حارة وكل أتوبيس وعربة قطار أو مترو.

داخل كل منزل به شاب عاطل أو فتاة عانس أو أب مريض ولا يجد ثمن العلاج أو غير قادر على توفير ثمن مصروفات الدراسة وكسوة العيد لأطفاله، أو موظف أو عامل أو فلاح يعمل وينفق من صحته على عمله مقابل أجور لا تكفى لوجبات العشاء، الخطر الحقيقى كما تقول التقارير الأمنية الواردة عن قضية سمالوط الأخيرة ومن قبلها قضية سائق المقاولون العرب وقضية الاعتداء على الكنيسة منذ عامين يكمن فى نفوس أولئك الغاضبين الذى زرع القهر فى قلوبهم ونفوسهم اكتئاباً تطور فى بعض الحالات إلى خلل نفسى مؤقت قد يدفعهم فى بعض حالات تطرفه إلى محاولة الانتقام من المجتمع، ومن النظام السياسى الذى تسبب فى وصولهم إلى هذا الوضع، الكثير من الاستشاريين النفسيين يفسرون استعداد الإنسان للقتل وتفجير نفسه على أنه انحراف ناتج عن مرض نفسه أو حالات نفسية، ونحن فى مصر نملك نسبة من المكتئبين والمصابين بأمراض نفسية تؤهلنا للدخول موسعة "جينس"، مما يعنى أن احتمالية ظهور قنابل بشرية جاهزة للتفجير من بين تلك الفئة، فالطب النفسى يرى أن الدماغ المصابة بالكأبة تمتلك ميولا عدوانية تجاه الأشخاص الآخرين.

المكتئبون أو المختلون عقليا الذى يهوى الأمن تحميلهم القضايا الصعبة والغريبة هم الأخطر، لأنهم يمثلون قنابل بشرية متحركة وجاهزة للانفجار فى أى لحظة ودعونا نستغل حقنا الطبيعى فى السؤال، ونطلب من الأجهزة الأمنية التى تقدم لنا تقارير رسمية تتهم فيها المكتئبون والمختلون نفسيا بارتكاب الجرائم وتفجير أنفسهم أمام الكنائس أن تطمئن قلوبنا الضعيفة وعقولنا التى لا تخلو من دبابيس الشك ونفوسنا المريضة التى تتوهم وتنبت فى أحلامها خيالات تقول بأن الحكومة وأجهزتها غير قادرة على تأمين مصر والحفاظ على سلامتها وحياة وأرواح مواطنيها من الخطر المسمى بالقنبلة البشرية، ذلك الخطر الجديد الذى تربى وترعرع تحت بير السلالم وفى الزوايا الصغيرة الكائنة أسفل المساجد والمدارس القائمة على مناهج تعلميية متخلفة، والغرف المكدسة بعشرة أشخاص يأكلون وجبة واحدة فى اليوم.

السؤال مرة أخرى يقول هل الأجهزة الأمنية قادرة على حماية مصر من ملايين لم يعد أمامهم فى المرحلة القادمة أى شىء يدافعون به عن حريتهم وقوت يومهم ومستقبل أولادهم ومستقبل وطنهم سوى نفوسهم، هل الجهاز الأمنى فى مصر قادر على مواجهة أكثر من 9 ملايين قنبلة بشرية جاهزة للانفجار فى شوارع مصر، من أجل الحصول على لقمة عيش نضيفة أو العيش ساعة فى ظل حرية تمنحهم الكرامة، ولا تحاول أن تسأل أو تستفسر وتقول وما الذى يدفع المصريين لتفجير أنفسهم، لأنه وكما قال الروسى الشهير "دوستويفسكى" فى إحدى دراساته المتعددة عن الإرهاب أن عمليات تفجير النفس (من السهل إدانتها ولكن من الصعب جدا فهمها)، فمن الصعب جدا أن تحدد السبب الذى يجعل بعض الناس مستعدين للموت على شكل قنابل بشرية، ليس هناك تفسير واضح لذلك، فالظاهرة كلها معقدة لأنها فى النهاية عبارة عن قرار شخصى يحكم من خلاله الشخص على مصيره من أجل نفسه أو من أجل الآخرين، وهو ما يقوله الدكتور محمد المهدى، الاستشارى النفسى الذى يرى صعوبة فى تحديد معنى أو سبباً مباشراً لتحول إنسان إلى قنبلة تمشى على الأرض غير أنه قال إن الأسباب عديدة وكلها تدفع الإنسان لذلك، وأكد أن الأمور فى مصر قد تدفع الملايين لحمل لقب القنبلة البشرية فحالة القمع والقهر التى يعانيها المواطن المصرى قد تدفعه للغضب وتدفعه لارتكاب رد فعل أحيانا ما يكون داخلى، ويتمثل فى حالة الغضب والضيق والقرف التى تصاحب معظم المصريين، وغالبا ما تظهر على السلوك الخارجى للمواطن فى شكل ردة فعل عنيفة يمارسها الموظف ضد المواطن والمدرس ضد التلميذ والزوج ضد زوجته، ويمارسها الناس ضد بعضهم متمثلة فى حالات العراك التى تشهدها يوميا فى الشوارع وفى المواصلات العامة، وليس بعيدا أبدا أن تتطور ردات الفعل هذا لتأخذ شكل تفجير النفس، فالإنسان يصل فى مرحلة تضيع منه كرامته ويفقد إحساسه بحاضره ويموت طموحه أمام عينيه، فلا يبقى أمامه سوى أن ياتى برد فعل قوياًَ يذكر الناس أنه موجود ويذكر الحكومة بأنها لم تسمعه، وأنها لابد أن تندم على ما فعلته فيه، فنحن فى مصر نملك أكثر من 9 ملايين شاب محبط ما بين عاطلين وموظفين غاضبين وفقراء يعانون ضغوطاً سياسية واجتماعية ومادية وحتى المستوى العاطفى، فكم شاب أحب ولم يتزوج بسبب المشاكل المالية، كل هذه الضغوط قد تتراكم داخل النفس البشرية ولاتجد الحل سوى فى الخروج على هيئة رد فعل قوية بتفجير الشىء الوحيد الذى يملكه، ويشعر أنه أصبح مهاناً أكثر من اللازم، لدرجة لا تعينه على البقاء هذا بخلاف مرضى السرطان والاكتئاب والكبد الذين أثبتت الدراسات النفسية أنه تتملكهم شهية للموت أو الانتحار ويكونون أكثر قابلية للتضحية بأرواحهم بسبب حالة اليأس المزروعة داخلهم، ومن السهل جدا فى ظل حالة الاحتقان السياسى والاجتماعى أن تظهر جماعات تستطيع ترويض مثل تلك النوعيات وإقناعها بالتضحية بنفسها، من أجل مستقبل أفضل طالما أنها لا تستفيد شيئاً من الحاضر.

وحتى تكون صورة القنبلة البشرية كاملة أمامك دعنا لا نحصرها فقط على المكتئبين والمرضى النفسيين لأن الواقع يقول بأن مصر بها ثلاث فئات بخلاف الفئة المختلة نفسيا حسب توصيف الآن قد يتحول أحد أفرادها فى أى وقت إلى قنبلة جاهزة للانفجار فى وجه المجتمع بمساجده وكنائسه وشوراعه وميادينه العامة، الفئة الأولى والأشهر تتعلق بالدين أى القنبلة البشرية الجاهزة للانفجار بدافع دينى وتبرير وجودها يتعلق بفضل التضحية بالنفس والجهاد والفوز بالجنة والحور العين، أما ظروف صناعتها فتتطلب وجود تفسير دينى مشجع ودافع قوى لتنفيذ العمل يتمثل فى فتاوى كبار الشيوخ وخطب الجمعة الحماسية التى تتردد فى مساجد بير السلم وفى خطب مشايخ الكاسيت، كما تتطلب لجودة التصنيع زعامات دينية مؤثرة وجماهيير مؤيدة تتذكر الشهيد وتعلى قيمته ولدقة الصناعة لابد من وجود مجموعة قادرة على التدريب والتعليم وخلق روح الانتماء وفكرة الجهاد. وضمن النموذج الدينى هناك ملاحظتان فهناك قنبلة دينية مستغلة تم تجنيدها وتدريبها على يد زعماء فى تنظيمات دينية من أجل تنفيذ تفجيرات فقط لا غير وهناك قنبلة بشرية تستعد للتفجير تكفيرا عن ذنوبها.

أما الفئة الثانية فتتعلق بالقنبلة البشرية المنتقمة وتلك هى الفئة الأكبر فى مصر، ومن فى هذا الوطن لايريد الانتقام من الدولة التى ضغطته وقهرته وقمعته وأفقرته والدافع الأكبر للشخص الذى يريد تفجير نفسه هنا هو الانتقام، وتلك رغبة متوافرة لدى معظم الشعب المصرى من أصغر عيل فى الحارة لا يجد ثمن كتب المدرسة لأكبر شيخ يرقد فى صالة استقبال المستشفى العام وينتظر الموت قبل الطبيب، أما الفئة الثالثة للقنبلة البشرية هى الوطنى المتعصب الذى يكون دافعه لتفجير نفسه دافعا سياسياً وفى مصر ملايين فشلوا فى إصلاح الوضع الحالى سلميا، ولم يعد أمامهم سوى طريق التضحية مقتدين بالحركات السياسية الشهيرة السابقة.
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة