خالد صلاح

أكرم القصاص

الحكومة عاقلة.. والمنتحر أهبل.. وإحنا مش تونس

الخميس، 20 يناير 2011 12:19 م

إضافة تعليق
كل ما يجب أن نطلع بيه من درس تونس إننا لسنا تونس ولا موريتانيا، ووزراؤنا ليسوا مثل وزراء تونس ولا اغنياؤنا مثل أغنياء تونس، ولا أحوالنا مثل أحوال تونس، ومن لايصدق عليه أن يطلع على تصريحات السادة الوزراء والمسئولين طوال الأسبوع الماضى.

وكل مانستفيد به من دروس المنتحرين وردود فعل الحكومة والبرلمان أن المنتحر أهبل والحكومة عاقلة، وأن هؤلاء المنتحرين مبتزون يهددون الدعم والسلم الاجتماعى وجلسات مجلس الشعب ووزارة التضامن، وهم السبب الوحيد لتعطل البنية الأساسية والبنية الفوقية والمتوازية.. منذ وقعت الثورة التونسية انطلق عدد كبير من الوزراء والمسئولين لإثبات أن الأحوال فى مصر ليست تتشابه مع أى أوضاع أخرى وأن الحياة فى مصر فى أفضل حالاتها وأن المواطن سعيد جدا بالحكومة والبرلمان، وربما كان المنتحرون هم أول دليل على السعادة، لأن منتحرينا مثل منتحرى السويد، يفعلونها من شدة الفرح، وليس من الظلم والحزن وقلة الحيلة، وأن ما جرى هناك لا علاقة له بما يجرى هنا بما يعنى لدى المسئولين أن كلاً منهم ربما كان فى حاجة إلى جائزة لأنه لم يتصرف مثل وزراء ومسئولى تونس.

تفرجنا خلال الأيام الماضية على السادة الوزراء ومساعديهم وهم يقدمون عروضًا فكاهية من أجل الترفيه على المواطنين فقد لرأينا مدير مكتب وزير التعليم، أحمد زكى بدر، يرد على الموظفين المتظاهرين اعتراضاً على نقص مكافآتهم بأنهم بيدلعوا، ويبدو أن المدير يحصل على كل مكافآته وبدلاته وبالتالى عليه أن يدافع عن وزيره ظالما أو ظالما.. وإذا كان هؤلاء الموظفون يمارسون الدلع فلماذا رضخ الدكتور الوزير للدلع وقرر صرف عدة شهور لهم.

أم قصة المنتحرين قدام مجلس الشعب فإنها تكشف إلى أى مدى وصل تفكير السادة الوزراء والمسئولين الذين فقدوا توازنهم وتصرفوا بجدية أقرب للكوميديا فقد كان أول رد فعل لهم أمام محاولة انتحار "عبده أنهم سارعوا بالجرى فى المكان وبعد محاولة عبده مواطن الإسماعيلية سارع الدكتور فتحى سرور، رئيس البرلمان بنفسه لتكليف لجنة الشكاوى بالمجلس للاستماع إلى المواطن ومعرفة شكواه، كما سارعت وزارة الصحة بنقله للعلاج، واطمان عليه وزير الصحة لكن فى المقابل أرهقت وزارات التضامن والداخلية والصحة أنفسهم لتقديم كل الإثباتات على أن عبده مجنون ومختل عقليًا وطماع.

فقد رأينا شهادة علاجه القديمة فى العباسية مشهرة وعرفت الحكومة كل تفاصيل حياته بينما لم تسع أية جهة إلى معرفة مشكلته بل إن وزير التضامن بنفسه خرج ليعلن أن عبده يريد عشرين رغيفًا زيادة عن حصته وأن ما يمكن أن يحصل عليه عبده يهدد الدعم، ولم ينس المصيلحى، عضو مجلس الشعب ووزير التضامن، أن يزركش بيانه بأرقام تؤكد أن الدولة تنفق 17 مليار جنيه دعما للخبز.. وبالتالى فإن عبده يهدد المليارات السبعتاشر، لأن لديه مطعمًا وأنه فى حاجة لخبز وأنه يعانى من مشكلة، وعند سؤال وزير المالية الدكتور يوسف بطرس غالى عن أى إجراءات لمواجهة حالات الانتحار قال وبراءة الوزراء فى عينيه "تغييرات إيه؟ ندعم اللى بيولعوا فى نفسهم يعنى"، غالى يرى أن المقارنة بين مصر وتونس مجرد " تهيؤات" فنحن مجتمع مفتوح عندنا حرية رأى، ومن نظرية الدكتور غالى نستنتج أن مصر ليست تونس لأن اسمها مصر والتانية تونس، هم عندهم منتحر واحد بينما نحن عندنا منتحرون كثيرون يعبرون عن رأيهم بكل حرية.

كانت الحكومة كاملة بمن فيها الدكتور أحمد نظيف يتعبون أنفسهم ليثبتوا أن المواطن مجنون وأنهم هم وحدهم العاقلون قالوا إنه يهدد الدعم ويمكن أن يهدم كل ما فعلناه من أجل كل هذا لأن المنتحر مجنون والحكومة وحدها هى العاقلة. مواطن الإسماعيلية ولع فى نفسه علشان عشرين رغيف، وطلع مجنون، ومواطن الإسكندرية، أحمد هاشم، ولع فى نفسه بسبب البطالة، لكنهم سارعوا بإلحاقه بمستشفى المجانين، ونسبوا لأهله أنه مريض نفسانى، ولم يتوقفوا ما إذا كانت البطالة تسبب المرض النفسى والإحباط.

ولا تريد الحكومة وهى تسعى لإلصاق تهمة الجنون بكل من يحاول الانتحار أن تقرأ تقارير وأرقامًا رسمية مثل تقرير المجلس القومى للخدمات والتنمية الاجتماعية بالمجالس القومية المتخصصة الذى قال إن 10 ملايين مواطن يعيشون تحت خط الفقر.. وهؤلاء مفروض أن يكونوا قد أصابهم الجنون الطبيعى، وقال التقرير الحكومى إن رواتب الموظفين لا تتناسب مع تكاليف الحياة ولا مع الأسعار.. والغريب أن التقرير نفسه يشرح قائلا إن عدم العدالة فى توزيع الدخل من أخطر مسببات الإحباط، وهذا تقرير رسمى يفترض أن تكون الحكومة قد قرأته لتعرف أن الانتحار ليس من حسن الفطن ولا من الجنون.. لكن فى النهاية نؤكد أن الحكومة عاقلة والمنتحرين مجانين.. وإحنا فى مصر ولسنا فى تونس.
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة