لى صديق هندى أعتز كثيراً بصداقته، وأزعم أننا تقاربنا خلال فترة وجيزة، كما لم أقترب من شخص آخر من قبل، صديقى هذا يتحدث العربية الفصحى بطلاقة قلما تجدها عند عرب درسوا العربية وتبحروا فى علومها، وهو أيضاً مثقف واسع الاطلاع من أولئك الذين تنطبق عليهم كلمة المثقف العضوى بكل ما تحمله الكلمة من معان ودلالات.
فى بداية التسعينيات من القرن الماضى كان صديقى الهندى يدرس فى الجامعة، ويعمل فى الوقت نفسه مترجماً غير متفرغ إلى اللغة العربية، ذات يوم أتاه صديق يعرض عليه مرافقة وفد من مشايخ المملكة العربية السعودية حضر إلى ولايتهم لافتتاح مسجداً تم بناؤه على نفقة المملكة.
حكى لى صديقى كم فرح عندما أوكلت إليه هذه المهمة، فالأجر الذى سيتقاضاه يكفى لنفقات بقية العام الدراسى، لذا قرر أن يكون إلى جوار هذا الوفد طيلة الوقت حتى تنقضى المهمة، فكان فى انتظارهم عند الوصول ثم اصطحبهم إلى حيث سيبيتون ليلتهم الأولى قبل الانتقال إلى حيث بُنى المسجد الجديد على مسافة عدة أميال، كانوا أربعة مشايخ من كبار علماء المملكة فى ذلك الحين يرتدون بطبيعة الحال الزى السلفى الذى نراه اليوم فى كل مكان فى قرى ومدن مصر.
فضل جمع المشايخ الانتقال إلى المسجد الجديد بالقطار وكانت حجتهم أن القطار فرصة للتنزه ومخالطة الناس، وهو فوق ذلك تجربة فريدة ليس لهم عهد بها فى السعودية، لكن وقبل أن يستقلوا القطار طلبوا من مرافقهم أن يتخير موقعاً يتيح لهم الاختلاط بالمسافرين من الهنود والتحدث إليهم، إن سنحت الفرصة، فكان لهم ما طلبوا، جلس الأربعة فى مقابل عدد من الهنود الذين بدا أنهم من أتباع ديانات مختلفة ففى الهند يمكن بسهولة تمييز أتباع بعض الديانات من ثيابهم أو مظاهر أخرى لا تخطئها العين.
تبادل الجميع تحيات المسافرين الباسمة دون كلام، ثم فجأة وبلا مقدمات طلب أحد المشايخ من مرافقهم أن يسأل الهنود الجالسين أمامهم هل سمعوا عن الإسلام؟
يقول صديقى: إنه بهت من صيغة السؤال، فليس من المعقول أن تسأل هندى، مهما كانت ديانته، هل سمع عن الإسلام وهناك أكثر من 100 مليون مسلم يتشاركون الوطن مع أتباع الديانات والعقائد الأخرى.
ويضيف: حاولت تفادى طرح السؤال بصيغته الساذجة وبادرت إلى تقديم مرافقى على أنهم وفد من العربية السعودية جاء لافتتاح مسجد تم بناؤه فى إحدى قرى الولاية، فما كان من الآخرين إلا أن رحبوا بكلمات بسيطة ترجمتها لوفد المشايخ بأنهم يعرفون الإسلام جيداً ويقدرون المسلمين ودينهم فهم يتعايشون مع ملايين من الهنود المسلمين.
رد أحد المشايخ وقال بلغة آمرة ووجه مكفهر، قل لهم: لماذا لم تدخلوا الإسلام؟ ألا تعلمون أنه دين الحق، وأن من مات منكم على عقيدته نصرانية أو هندوسية فإنه فى النار؟.
يقول صديقى: شعرت بأننى فى ورطة كبيرة قد تقودنى إلى السجن أو أهلك حيث أجلس، فهذا الخطاب غير شائع أو مقبول، والناس هنا يدركون أنهم يعيشون فى وطن متعدد الأعراق والأديان، لذا ليس مقبولاً التشكيك فى عقيدة أى شخص مهما كان معتقده، فبخلاف القانون الذى يجرم التحريض على الكراهية، هناك منظومة من القيم اتفق عليها المجتمع تجرم مثل هذا الخطاب بل تعرض صاحبه للتهلكة.
حكى صديقى أنه تفادى ورطة حمل الناس على تغيير دينهم فى القطار، بأن صنع بنفسه حواراً غير الذى يجرى على ألسنة الطرفين، إذا سأله أحد المشايخ ما الذى يمنعهم من دخول الإسلام والفوز بالجنة؟ يعيد السؤال بالاستفسار عن أماكن التنزه والسياحة والتعرف على حضارة الهند، ثم يعود للمشايخ بكلام آخر يرضيهم.
هذه قصة للذين يبحثون عن أسباب وجذور الفتنة التى تطل برأسها على مجتمعنا، فالجذور تمتد إلى صحراء الجزيرة العربية، تلك الصحراء التى هبت منها رياح التدين الزائف والمغشوش على مصر، فحافظت شوارعنا وبيوتنا على التدين، لكنها أضاعت الدين، فالذين تمسكوا باللحى وفرضوا النقاب صنعوا مسلماً مزيفاً يرتشى ويستبيح المال العام ويزيف الانتخابات ويحل دم الشرفاء من معارضى النظام، لكنه فى الوقت نفسه يحافظ على الصلوات فى ميعادها، يصوم ويحج ويعتمر عدة مرات فى السنة.
إن السلفية بأطيافها الأصولية والوهابية والجهادية هم من نشروا الفرقة فى ديار الإسلام قبل أن ينشروها فى الأوطان، فهم ألد أعداء الصوفية وأمراء تكفير الشيعة وغير ذلك من بذور الفرقة التى نشروها بين المسلمين، لذا أدهشنى كثيراً كيف هبوا لإدانة مذبحة الإسكندرية وهم من حرضوا عليها ونشروا فكراً يحض على الكراهية وينظر للمسيحيين على أنهم مستوطنون فى ديارنا عليهم دفع الجزية وهم صاغرون.
فى الحقيقة لن تجد فروقاً جوهرية بين أطياف التيارات الإسلامية فى النظر للأقباط، فلا خلاف بين الإخوان المسلمين وغلاة السفلية أو الجهاديين حول كونهم أهل ذمة والخلاف ربما فى شكل وطبيعة الواجبات والحقوق المكفولة لهم.
فإذا كانت حقوق أتباع الديانات الأخرى فى فكر الإخوان المسلمين تتسع للحق فى الحياة، وحرية العبادة والعمل بل وتولى بعض المناصب، إلا أن هذه الرؤية، رغم ما توحى به من تسامح واستنارة، لم تتجاوز مفهوم أهل ذمة، ولم تقدر على تجسيد مفهوم جديد للشراكة الوطنية، باعتبار أن الأقباط مشكوك فى ولائهم ولا يمكن السماح لهم بالخدمة فى الجيش "علينا أن نتذكر تصريحات مرشد الإخوان المرحوم مصطفى مشهور قبل عدة سنوات عندما أفتى بحرمان المسيحيين من تأدية الخدمة العسكرية".
أما إذا تحدثت عن رؤية غلاة السلفية، وهم المسيطرون الآن فى الإسكندرية وباقى ربوع مصر، ستجد أن الأقباط فى نظرهم ليسوا إلا رعايا مقيمين يجب عليهم الامتناع عن تحديث كنائسهم، ولا يظهروا صلبانهم ولا يجهروا بصلواتهم أو أعيادهم بل هناك من يؤمن بأن على الأقباط أن يرتدوا زياً يميزهم عن المسلمين وألا يتحدثوا لغة المسلمين وأن يقوموا للمسلمين فى المجالس.
علينا أن نعترف أن بيننا كثيرون يؤمنون بأن من واجبات المسلم تجاه القبطى ألا يبادره السلام، ولا يشترى منه ولا يبيع له، والأخطر أنه ملزم بما يسمى بواجب البراءة من أهل الذمة، فالتوحيد لا يكتمل إلا إذا تبرأ المسلم إلى الله تعالى من اليهود والنصارى وأن يبغض ما هم عليه من كفر وإلحاد بل يبغضهم شخصياً لكفرهم.
إنه لمن المحزن أن يتخلف الفكر الإسلامى حتى الآن عن من تطوير مفهوم حضارى يتجاوز مفهوم أهل الذمة بمعانية ودلالاته القديمة فمفاهيم المواطنة وحرية الإنسان والشراكة فى الوطن ليست بديلاً مقنعاً لنظام لو تأملوه بعناية لاكتشفوا أنه شهادة على عظمة الإسلام فى حينه، إذ يبرهن على قبول التعايش مع أصحاب الديانات الأخرى، لكنه لم يلزمنا بغلق باب الاجتهاد واستلهام روح التطور والتراكم الحضارى والإنسانى للبحث عن صيغة تعاقدية جديدة بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى على أرضية الموطنة والعدل والمساواة وحقوق الإنسان.