منذ الدقيقة العشرين بعد بدء العام الجديد وحتى هذه اللحظة لا تظل جريمة الإسكندرية "الإرهابية"، تفرض نفسها على رأس اهتمامات الشارع المصرى، سواء بتفاصيلها الغامضة حتى الآن، أو بما حركته من تداعيات متعلقة بوضع الأقباط المصريين وعدم تمتعهم بالمساواة الكاملة خاصة فى الحق فى بناء دور العبادة وممارسة الشعائر الدينية.
ولم ينتبه المصريون كثيرا إلى أن تونس الخضراء أصبحت حمراء بلون الدم، بعد قتل 25 مواطناً على يد الشرطة فى احتجات شعبية شبابية طالبت فى البداية بالحق فى العمل، قبل أن تتسع المطالب لتشمل بعد ذلك الحرية والديمقراطية ومكافحة الفساد الحكومى.
ولم ينتبه المصريون أيضا أننا نعيش اليوم الثالث من سبعة أيام مخصصة لاستفتاء تقرير مصير جنوب السودان، وهو آخر خطوة على طريق فصل الجنوب عن الشمال وتقسيم السودان إلى دولتين، وبالطبع ستمتد تداعيات هذا الفصل لتؤثر على أمن مصر الجنوبى، وعلى حصتها من مياه النيل.
وتوقف المصريون عن الحديث تماما عن انتخابات مجلس الشعب التى شهدت تزويرا فاق الحدود، وبلطجة وتسويد لبطاقات الاقتراع، وعمليات تقفيل جماعية للجان الاقتراع وانتشار ظاهرة المال السياسى أى شراء أصوات الناخبين بالمال.
وقد لا يهتم المصريون كثيرا بما يجرى حولهم فى العالم العربى، وإذا توقفوا فإنهم لا يقرءون الصورة بشكل شامل، ولا يحاولون معرفة تأثير ما يحدث فى بلد عربى، على مجمل الأمة العربية التى تعانى تقريبا الأمراض نفسها، وتئن من المواجع نفسها.
لكن المثير أننا فى مصر اعتدنا التعامل مع الأحداث بمنطق الموالد أو الفرح الشعبى جدا، الكل يذهب لينقط العريس والعروس، ويحيى الفرح بطلقتين فى الهواء، وهو أول من يغادر الفرح جريا حين تنشب مشاجرة، ويضرب أحدا "كرسى فى الكلوب".
نحن للسف نعيش مولد الوضع القبطى ومحاربة الإرهاب، وقبله كنا نعيش مولد الانتخابات، ومن قبله مولد أسطوانات البوتاجاز، وهكذا لا ينتهى مولد قبل أن يبدأ مولد جديد، ولا تنتهى مصيبة قبل أن تقع مصيبة أخرى.. ولعلنا الآن فى انتظار هذه المصيبة الجديدة التى يتفرغ لها الإعلام، ويجعلها قضية حياة أو موت، ويجذب الاهتمام الشعبى إليها، حتى تندلع مشكلة أخرى فنهرول جميعا خلفها.
هذه هى مصر، وهذا شعبها، وهذه حياتها منذ آلاف الأعوام، وقد تستمر مثلها وهى على حالها لا تتغير، وبعد أن كانت تغير من حولها أصبحت ساكنة ثابتة تدور فى الفراغ!