استولى الحزب الوطنى على السلطة فى مصر بانتخابات مزورة عام 1979، ومن يومها غرق المصريون فى دوامات متصلة من الغش والتزوير ونهب المال العام وإهدار الحقوق وعدم احترام القانون، فضلا عن الشعارات الكاذبة والتضليل المتعمد والبيانات المفبركة، حتى وجد المجتمع المصرى نفسه وقد غشيته حالة جمود ثقيلة باسم الاستقرار أطبقت عليه، وسلبته مشاعر الحياة النابضة، وجعلته حبيس عالم ضيق من القهر والاستبداد والفساد العظيم، بعد سنوات طويلة من فرض قانون الطوارئ.
فهل ما نزل بالمصريين بفعل السياسات الفاسدة قد استغرق قواهم، فرضوا بالسكينة فى ظل الحكومات التى خنقت الأنفاس ونشرت الفقر والبطالة وهدمت الاقتصاد القومى؟، وهل انقضى دور الجماهير الفاعل فى نهضة الأمة وانتزاع الحرية ورفع الأهداف الوطنية العليا وترسيخ قواعد المجتمع الحر الحديث؟، أم افتقدت الجماهير المصرية حماسها الملتهب، وعزيمتها الصلبة لتحقيق الأهداف الوطنية؟.
الواقع المعاش يحكى كيف تصلبت شرايين الأرض المصرية وغطتها سحب كثيفة السواد، وأحاطت بأسوارها أجهزة الأمن وعيون البصاصين، وانسحب الوطن من خريطة المواقع العالمية المؤثرة أو كاد، وانعقد لسانه الناطق بالعروبة والقومية.. حتى باتت ملامح صورة مصر الجميلة بادية للعيان، تكسوها أمارات الشيخوخة والأسى الذى لا تخفى على الناظرين، رغم أن أغلبية سكان الوطن هم من الشباب والأطفال.
وهكذا أصيبت الأمة بتراجع عام غطى مختلف الشئون والفنون، فانهزمت القيم العليا أمام صنوف العنف والفساد والتقهقر الاجتماعى والسياسى والفكرى. وبلغ الأداء الحكومى أقصى ركاكته، وأصابت الكارثة فنون التعليم وشئون البحث والابتكار، فشملها العجز وصنوف الضعف والانحطاط، وخبت شعلة التفكير والنبوغ بعد أن راح الحزب الوطنى يتجاهل العلماء والشرفاء ويقرب إليه المتلونين وطلاب المنافع، ففقد الناس الطموح والأمل، وتقلصت مساحة الحق والعدل، ورأى الناس بأعينهم نهب ثروات الوطن وتجاوز الدين العام للخطوط الحمراء، ناهيك عن سيطرة النظرة القمعية والأمنية، وقتل الديمقراطية، وتكميم الأفواه، وشغل كل المناصب الإدارية بالمحاسيب، وعدم محاسبة الفاشلين والفاسدين واللصوص.
كما يفضح الواقع العملى كيف انحطت الحياة السياسية دركا كل يوم، فتم تزوير كل أنواع الانتخابات وصارت المجالس النيابية ديكورا باهظ التكاليف يضم النائب الصايع ونائب المخدرات ونائب عزيزة ومن جمعوا الملايين الحرام من دم الشعب، وشاعت نظرة التطلع المقيت والنفاق الرخيص وظاهرة عبده مشتاق، وزاد الأمر سوءا بعد أن افتضح عجز المعينين بالوسائط والتزكيات الحزبية عن كل فعل سوى امتصاص دماء الشعب ونهب ثرواته، فتصدع الجهاز الإدارى للدولة وتهاوت أركانه، و تعطلت اللوائح والقوانين وتم العبث بالنظام العام.
وأيضا، تم تعطيل العمل النقابى وسيطرت على النقابات مجالس معينة أو غير شرعية، تخلت عن دورها الواجب والمأمول، واختلت كل الموازين رغم أنف الريادة الإعلامية الجوفاء التى فضحها كل عجز شديد وفقر بالغ فى قدرات المتحدثين باسم هذا الحزب ممن لا عقيدة سياسية لديهم ولا فكرة يؤمنون بها، وهم لا يعرفون سوى الحديث عن حكمة السيد الرئيس وبعد نظره.
كل هذا يعرفه الناس ويتقلبون على جمره منذ سنوات، لكن تعاظم ألمهم وازدادت بلواهم بالممارسات الشاذة للأحزاب السياسية الورقية التى أحاطت بالحزب الوطنى، والتى زادت فضائحها حتى سقطت عنها كل أوراق التوت، وما يجرى منها حاليا هو أقوى دليل على إساءة هذه الأحزاب لمصر والمصريين، فقد أعلن الحزب الوطنى عن قرب تنظيم ملهاة انتخابات مجلس الشعب وتجديد الديكور الديمقراطى، وقدم الأدلة المادية والعملية والظنية على رغبته الدائمة فى تزوير الانتخابات، وقام بتوزيع عدد من المقاعد على هذه الأحزاب يعلمها الناس، وأعلن المسئولون ذلك فى وسائل الإعلام وبشروا الناس بزيادة عدد الأحزاب الممثلة وحرمان الإخوان المسلمين من نعيم المجلس النيو لوك، بل نفذ الحزب تدريبا ميدانيا عمليا فى انتخابات مجلس الشورى بالتزوير جهارا نهارا، رغم أحاديث النزاهة والشفافية، وأخيرا نشرت الصحف أنباء جمع بطاقات الموظفين والعمال لقيدهم فى دوائر انتخابية جديدة لاستخدام أعدادهم فى تزوير الانتخابات وتعميق الأوجاع الديمقراطية..
ورغم هذا كله، فإن الأحزاب السياسية الورقية ما تزال تكذب علنا ودون حياء معلنة أنها ما تزال تدرس الخيار بين مقاطعة الانتخابات والاشتراك فيها، ولا تزال تطالب بالتريث حتى تستجيب الحكومة لمطالبها بنزاهة الانتخابات، وهى تعلم سلفا أن الحكومة لن تستجيب حتى لا تخل بالاستقرار.. وبالتالى فإن مسلك هذه الأحزاب المعيب يسهم فى تضليل الرأى العام، ويشارك فى تزييف الوعى، ويقيد هبة الجماهير المطالبة بالتغيير وغد أفضل.. وبالتالى فهى أحزاب متعاونة وضالعة فى تحقيق أهداف الحزب الوطنى..
وليس بعيدا أن تكون هذه الأحزاب الورقية مستفيدة من ممارسة هذه اللعبة السياسية وقد ثبت ذلك فى استنجاح بعض ممثليهم بالتزوير فى انتخابات الشورى.. وما خفى كان أعظم، فكم يتداول الناس فى مجالسهم عن نفحات الحزب الوطنى لهم ولأبنائهم ولذويهم، وقد رأيت بعينى أرضا بعشرات مئات الأفدنة لأحدهم، كما سمعت عن ابن أحد قياداتهم أنه عين فى وظيفة بخمسين ألف جنيه شهريا رغم طول أحاديث والده عن الفقراء والكادحين والعاطلين وهذا الفقر الذى قتل الانتماء وشرد الأبناء فى بقاع الأرض.
هذه الممارسات الحزبية السقيمة تقطع بفساد الحياة السياسية، وعدم صلاحية الأحزاب القائمة على قيادة سفينة الوطن نحو المستقبل المشرق الذى تهفو إليه الجماهير منذ عقود.. ويبقى الأمل فى أن يأخذ الشعب أمره بيده، ويحقق بإرادته كل آماله وطموحاته، وسبيله إلى ذلك هو الالتفاف حول تعددية سياسية جديدة يبنيها بيده ويرسم لها أهدافها القريبة والبعيدة فى حياة حرة كريمة، وحق ظاهر وعدل ناجز، ونهضة يستحقها بفضل أبنائه المخلصين.
* المتحدث باسم اللجنة القومية للدفاع عن الجامعة.