مجد خلف تكتب: الصيام

الأربعاء، 01 سبتمبر 2010 05:26 م
مجد خلف تكتب: الصيام

يقول الله تبارك وتعالى فى كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) صدق الله العظيم – البقرة 183 .

يتحدث القرآن الكريم فى هذه الآية الكريمة والآية التى تلتها عن فرض صيام شهر رمضان على المؤمنين، تماما كما فرض على الذين سبقوا من المؤمنين، أتباع أنبياء الله تبارك وتعالى إلى بنى الإنسان على طول الزمان، وقد اختصت الإرادة الإلهية شهر رمضان المعظم بهذا التكريم لأن القرآن الكريم نزل فى ليلة القدر منه، سواء كان هذا النزول بشائر بالآيات الأولى من سورة العلق، أو بنزول القرآن كله جملة واحدة إلى السماء الدنيا فى بيت العزة، كما يقول بعض الرواة والمفسرين، المهم أن بداية نزول القرآن كانت فى ليلة القدر من رمضان .

وقد ورد فى مسند الإمام أحمد بن حنبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أنزلت صحف إبراهيم فى أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لستٍ مضَين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان )، وقد روى من حديث جابر بن عبد الله، وفيه أن الزبور لاثنتى عشرة خلت من رمضان، فنزل كل منها على النبى الذى أنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك فى شهر رمضان فى ليلة القدر منه، كما قال تعالى: ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) – القدر 1، ثم نزل بعد ذلك مفرقاً بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبر ثلاثة وعشرين عاما هى عمر الوحى المنزل عليه صلى الله عليه وسلم .

فإذا كان فرض الصيام على المسلمين لتكريم رمضان شهر نزول القرآن، وللاحتفال بموعد بدء النزول كل عام، فقد كان فرضاً على من سبقوا صيامُ نفس الشهر، شهر رمضان، لأن الكتب التى نزلت على أنبيائهم نزلت فيه، ومن الطبيعى أن يكون الصيام فى الماضى هو نفسه الصيام الإسلامى، أى الامتناع عن الطعام والشراب والجماع. من أذان الفجر حتى غروب شمس اليوم .

والأكل والشرب والعلاقة الزوجية حلال، فلماذا كان هذا المنع فى الصيام لما هو حلال ؟
إن المؤمن مأمور طول حياته أن يمتنع عن الحرام، وألا يقترف الذنوب والآثام، ما صغر منها وما كبر، وهى معروفة للمسلم وغير المسلم، فالكذب والغش والتطفيف، والسباب وعلو الصوت والتراشق بالألفاظ، والغيبة والنميمة والسخرية من الآخرين والتجسس عليهم، كل هذا .. وغيره هى أمور مذمومة ومكروهة فى كل الأديان ومعظم الثقـافات، ومن الطبيعى أن يمتنع المؤمن عن القيام بأى منها طيلة حياته، ناهيك عن أن يقارف أيا منها وهو صائم.
فصيام المؤمن هو امتناعه عن القيام بما أحله الله له من الطعام والشراب والجماع، فقط

طاعة لله ومرضاة له، وامتثالا لأمره تبارك وتعالى، وهو أصلاً ممتنع عن إتيان ما يغضب الله من أعمال وأقوال طيلة حياته .

وكما أن الفرد يجب أن يصوم فى رمضان، فالشارع أيضا يجب أن يصوم، والدولة يجب أن تصوم، كلٌ على طريقته فى الصيام، أما صيام الشارع فهو المحصلة الطبيعية لصيام الأفراد، فالأصوات يجب أن تنخفض، والتعامل بين الناس يصبح أرقى، وسائقو السيارات يتعاملون مع الشارع ومع الآخـرين بطريقة أهدأ، ويسود الصدق والأمانة والهدوء والسكينة أرجاء المجتمع الصائم، فأفراده يمتنعون عن فعل الحلال مرضاة لله، فما بالنا بفعل المنكرات ؟

والدولة يجب أن تصوم، يصوم إعلامها وتصوم قنواتها الفضائية وإذاعاتها، فتمتنع عن بث ما يسمونه تسلية الصيام، فالصيام ليس مملا لكى نسعى لما يسلينا فيه ! وتصوم وزاراتها ومؤسساتها وهيئاتها وصحفها ومجلاتها، فيمتنع العاملون فيها فى رمضان عما يمكن أن يفسد عليهم وعلى مواطنيهم صيامهم، ويعكر صفو الشهر الجميل، (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) – البقرة 185، صدق الله العظيم .

والصيام – كما يعبر عنه فى علوم الشريعة – فرض عين لا فرض كفاية، أى إنه فرض على كل مسلم آمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) - البقرة 186، يجب أن يصوم المسلم متى كان قادراً، لا يمنعه عن الصيام إلا السفر أو المرض أو العجز، والإفطار فى رمضان له كفارته المعروفة شرعاً، مع تعويض ما فات من أيام الصيام .

ورمضان الذى يولى لا يعود أبداً، ولا يعرف الإنسان هل سيأتى عليه رمضان التالى أم لا، لذلك وجب علينا أن نغتنم فرصة حياتنا فى رمضان، فنحن لا ندرى هل ستأتى فرصة رمضان أخرى أم لا ؟ فلينبذ كل منا التشاحن والتباغض مع الآخرين، ولينثر بذور الحب والتراحم بينه وبينهم، ليسود جو المحبة والتزاور وحسن الجوار والتآخى بين أفراد المجتمع، وبذلك يكون الاحتفاء برمضان، شهر نزول القرآن، علامة فارقة فى حياة المجتمع .. كل رمضان أنتم بخير .. والله من وراء القصد .


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة