استعمار لمئات السنين يتزامن مع فقر وجهل ونقص حاد فى الثقافة.. انشغال كامل بالتحرر وبمفاوضات الحصول على الاستقلال.. المفاوضات تدور بمعرفة طبقة النخبة وفى غياب شعبى ثقافى.. نعم هناك حضور شعبى على شكل تأييد أو مظاهرات أو احتجاجات، لكن ثقافة الحوار وأسلوب التفكير كان حكراً على النخبة.
تمر الأعوام ويحصل البلد على استقلاله، ويملك زمام أموره فى يده لأول مرة من مئات السنين.. يجب أن يعتمد على نفسه هذه المرة.. لا معونات ولا مساعدات ولا استثمارات.. خبرات قليلة وثقافات شبه غائبة.. احترافية معدومة وقدرات إدارية فى أقل مستوياتها.. شعب اعتاد على أن أحدهم يفكر له ويتخذ القرار نيابة عنه.. لكن لابد من الاستمرار.. لابد من مقاومة الجهل والفقر والمرض والتاريخ نفسه.. أصل الشعب الجيد هو الذى حكم بهذا، فالمعدن الأصيل يتكلم.. وبدأت عجلة التقدم والتطور فى الدوران.. كانت جامدة مئات السنين.. فبدأت دورانها ببطء شديد.. لا يهم طالما تدور، فهذا أفضل من التوقف والسكون.. تتسارع العجلة فتبدأ عيوبها فى الظهور.. إنها لا تدور بشكل منتظم، جهة أعلى من جهة.. حاجتها شديدة لإصلاح العيوب التى تسبب فيها الزمن والتوقف الطويل.. لكن نقص الخبرات والمعرفة أثر بشدة على كفاءة الإصلاح.. ومع تسارع العجلة زاد الاعوجاج فى حركتها.. أصبحت تنتج أحيانا وتعجز أحيانا أخرى، ولكنها تدور.. ما زالت تدور.
مع التحرر يبدأ الطموح، وتعطش الناس لمعرفة الآخر فبدأت تجارب السفر، لكنهم أناس عاشوا فى ظلام الفكر مدة طويلة، وبالتالى أصابهم التشتت والتردد فى هويتهم.. سافروا وهم يجهلون هويتهم ومعرفتهم لحقيقة أنفسهم.. والنتيجة هى استيراد كل جديد بداية من الحركة والملبس وحتى الفكر والجوهر.. شعب بحث عن هويته بين أرجاء الكون، شعب فقد قدرته على رؤية ذاته فحاول أن يستخلصها من خصائص شعوب أخرى.. إنهم قوم يعلمون تاريخهم ومجدهم، لكنه لا يتناسب مع حاضرهم.. تعجبوا.. غضبوا.. غاروا على تاريخهم، فأرادوا استرجاعه من بقية شعوب الأرض، فما كان منهم إلا أنهم ذابوا فى بقية شعب الأرض.. اختلط الحابل بالنابل.. وساهمت قلة الخبرة والثقافة فى نقل أفكار وأدوات تعامل غريبة عليهم.. حاولوا تجنيسها بأخلاقهم، فتاهت أخلاقهم.. حاولوا خلطها بعاداتهم، فتشوهت العادات والتقاليد.. ومع مرور الوقت خرج للنور أجيال تقرأ عن الماضى ولا تعرفه.. تسمع عن الحاضر ولا تعمل من أجله.. تتمنى المستقبل وتعجز عن وضع هدف له.
الحل هو أن نعلم أننا لسنا مجرد امتداد لحضارة قديمة.. نحن الآن فى المربع رقم واحد لتلك الحضارة.. نبدأ كما بدأوا وننسى أن نعيش بما وصلوا إليه، فالمصرى القديم انتهى واستمراريتنا لن تكون من أجل عيون القديم، بل إنها مرهونة بما نفعله نحن من جديد، اقلبوا الصفحة واعتبروا أننا فى بداية جديدة لتكوين حضارة باسمنا نحن وليست غنيمة من ميراث سابق.. إننا شعب جديد ينمو.. ويجب أن يكون نموه قوياً وفعالاً – لا لأنه حفيد حضارة قديمة – ولكن لأنه يبحث لنفسه عن مكان فى الحاضر والمستقبل.. نعم نحن لسنا امتداداً لآخر عهد الفراعنة.. ولكننا قد نكون بداية لفراعين جدد.. هذا إن أردنا.