عمر عبد الرحمن.. هو مواطن مصرى يحمل درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر ويقضى عقوبة السجن مدى الحياة فى الولايات المتحدة الأمريكية.. تخطى الثالثة والسبعين وهو شيخ ضرير قعيد يعانى من علل مزمنة وجلطات وورم فى البنكرياس وقائمة طويلة من أمراض الشيخوخة، وبالتالى فهو يستحق (من الناحية الإنسانية البحتة) الإفراج الصحى طبقا للقوانين الأمريكية.
ولكن مشكلة المواطن المصرى عمر عبد الرحمن أنه أشهر من مجرد مواطن عادى.. فقد كان الرجل أميراً للجماعة الإسلامية المصرية التى تورطت فى اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات.. وهو أحد رموز عصر دام اختلطت فيه دعاوى الجهاد بفتاوى التكفير، ولعبت فيه الجماعة الإسلامية دوراً محورياً فى سفك الدماء، وإدخال مصر إلى دوامة من العنف والقتل العشوائى وقف خلالها الشعب المصرى جنبا إلى جنب مع أجهزة الأمن والقيادة السياسية فى معركة مصيرية مصرية واحدة.. قبل أن يعود قادة الجماعة إلى الحق والرشد، ويقوموا بمبادرة نبذ العنف فى نهاية التسعينيات، ويؤصلوا لهذه المبادرة فقهيا وفكريا لتصبح الأمور مهيأة لخروج عشرات الآلاف من أعضاء الجماعة الإسلامية من السجون.. ويطوى الوطن صفحة مؤلمة من تاريخه سقط فيها آلاف الأبرياء من الشعب المصرى الذى دفع (بجميع طوائفه) ضريبة الدم بدءاً من صانع النصر (الشهيد) أنور السادات.. إلى صانع الفكر (الناجى) نجيب محفوظ.. إلى مئات الآلاف من البسطاء الذين طاردتهم أعمال العنف فى شوارعهم وبيوتهم وفى أرزاقهم ولقمة عيشهم.
ولكن هذه الصفحة طويت.. وأعضاء الجماعة الإسلامية فى مصر رجعوا وتراجعوا.. وخرج معظمهم من السجون.. وبقى فقط الدكتور عمر عبد الرحمن فى السجون الأمريكية منذ عام 1993 عقب قضية تفجير مركز التجارة العالمى (الأولى)، حيث أدين فى هذه القضية بالسجن مدى الحياة.
ورغم أن قضيته نسيت أو يتم تناسيها من الناحيتين الرسمية والإعلامية، إلا أنه من حق الرجل أن يجد من يطالب بالإفراج عنه لأسباب متعددة.
أولا من الناحية الإنسانية البحتة.. فظروف الرجل الصحية وصلت حدا بالغ السوء، الأمر الذى يسمح من الناحية القانونية بالمطالبة بالإفراج الصحى عنه.. أو على الأقل المطالبة بأن يتم نقله من السجون الأمريكية إلى السجون المصرية لكى يستطيع أبناؤه أن يلتقوه (وبعضهم لم ير والده أو يسمع صوته منذ كان عمره عاما واحدا).. أو حتى المطالبة بنقله من السجن الأمريكى إلى التحفظ تحت الإقامة الجبرية فى أحد المستشفيات داخل الأراضى الأمريكية نفسها ليستطيع أهله التواصل معه بشكل أفضل.
ثانيا من الناحية العملية فخروج الشيخ أو نقله لمصر يمنح المراجعات الفقهية التى قامت بها الجماعة الإسلامية زخما فقهيا باعتبار أن الرجل له مكانته العلمية داخل الجماعة.. خاصة أنه رحب بمبادرة وقف العنف ووافق عليها.
ثالثا من الناحية الوطنية.. يحز فى النفس المقارنة بين المسجون المصرى خارج الحدود ومساجين من جنسيات عربية أخرى آخرهم الليبى عبد الباسط المقرحى المدان فى قضية لوكربى، والذى كان يقضى حكما بالسجن مدى الحياة ووجد من يثير قضيته ويتبناها حتى خرج بعفو صحى علما بأن حالته الصحية كانت أقل خطورة بكثير من حالة الدكتور عمر عبد الرحمن.
رابعا.. أسوأ ما فى قضية الدكتور عمر عبد الرحمن أن من يتاجرون بقضيته حاليا ومن يدعون أنهم يتبنوها هم الجماعات المتطرفة التى مازالت تتبنى العنف والإرهاب، ويتخذون من قضية سجنه مدخلا عاطفيا لشرائط التجنيد والحشد والتطرف.. وهم سيكونون أسعد الناس لو سبق قضاء الله وقضى الدكتور عمر عبد الرحمن نحبه فى السجون الأمريكية ليمنحوا شرائطهم المزيد من بهارات العواطف التى يدغدغون بها مشاعر الشباب ويلهبون بها مشاعر العداء للغرب وأمريكا.