وزراء يطيح بهم الرئيس فى أزمة القمح

شبح المجاعة

الخميس، 12 أغسطس 2010 10:43 م
شبح المجاعة أمين أباظة
سيد محفوظ - مدحت وهبة - سماح لبيب

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
◄◄ أبوالقمح وأحمد الليثى يحمّلان أمين أباظة المسؤولية عن تدهور أحوال القمح والتخلى عن الفلاحين لصالح المستورد

أيقظت حرائق روسيا شبح المجاعة فى مصر بعد أن أصدر رئيس الوزراء الروسى فلاديمير بوتين قراراً بحظر تصدير الحبوب بصفة عامة اعتباراً من 15 أغسطس حتى 31 ديسمبر من العام الحالى.

الكلام عن شبح المجاعة أو أزمة الغذاء التى قد تتعرض لها مصر سببه أن أكثر من نصف واردات القمح المصرية تأتى من روسيا وتقدر بما يتراوح بين 2 و3 ملايين طن من إجمالى 6 ملايين طن تستوردها مصر من الأقماح العالمية.

روسيا حتى الآن لم تعلن موقفها من التعاقدات المصرية السابقة لتوريد 540 ألف طن، وما إذا كان الحظر سيسرى عليها أم لا، والحكومة المصرية أعلنت الطوارئ لمواجهة الأزمة.. الكارثة.

ولكن ماذا لو لم تلتزم روسيا بالتوريد العاجل وفشلت الحكومة فى تعويض الـ540 ألف طن من دولة أخرى؟ السؤال مخيف والإجابة ضائعة والبحث عن حل للأزمة الناتجة عن سياسات فاشلة وغياب الرؤية السياسية والإستراتيجية الواضحة مازالا مفقودين حتى الآن على الأقل.
فلو تصورنا سيناريو كابوسى لمجاعة واقعة لا محالة فى حالة تزامن حرائق روسيا مع أزمات داخلية أو ظروف دولية معاكسة تمنع استيراد القمح من الدول التى نعتمد عليها مثل الولايات المتحدة وأستراليا وفرنسا مثلاً، هو السيناريو الذى لا تتوقعه الحكومة ولم تفكر فيه ولم تشكل من أجله فريقا لإدارة الأزمات مادام قوت مصر ليس فى أيديها بل فى قرارات الآخرين.

فمن المسؤول؟ هل نتهم حرائق روسيا أم نسائل وزير الزراعة الذى أعلن أن شراء القمح من الخارج أيسر من زراعته فى مصر وأسهل من دعم الفلاح لتشجيعه على الزراعة؟ أم نحمّل المسؤولية للحكومة التى افتقدت الرؤية الإستراتيجية فى التعامل مع الغذاء الذى هو أمن مصر القومى الأول؟ وهل تطيح الأزمة برؤوس بعض الوزراء المسؤولين عنها؟ فالمهندس أمين أباظة، وزير الزراعة، فى مأزق باعتباره المسؤول الأول عن الأمن الغذائى لمصر.

ويتحمل وزير التضامن على المصيلحى جزءًا من هذه المسئولية بوصفه المسئول عن الاستيراد والاحتياطى الاستراتيجى من القمح، كما يتحمل رئيس الحكومة الدكتور أحمد نظيف اتهامات بالتفريط فى أمن مصر الغذائى.

على أرض الواقع أشعلت حرائق روسيا الصديقة الأزمة فى مصر، وعلى الفور بدأت حالات استغلال الأزمة فى الشارع، وقام العديد من التجار وأصحاب الأفران السياحية برفع سعر رغيف الخبز السياحى، وكذلك رغيف الفينو من 50 إلى 75 قرشا بحجة ارتفاع الأقماح المستوردة، وفقا لما أكده الدكتور نادر نور الدين، مستشار وزير التموين لهيئة السلع التموينية سابقاً، فى ظل غياب الرقابة على الأفران السياحية، فقد قام العديد من أصحابها- خاصة فى منطقة الدقى- برفع سعر الخبز بنسبة 50 %، وقد يتضاعف السعر مرة أخرى مع استمرار الأزمة وقد يمتد إلى أنواع الخبز الأخرى.

الخبراء يؤكدون أن التعاقدات الخاصة بشأن استيراد الأقماح من بعض الدول التى لم تأت إلى مصر حتى الآن، تدخل ضمن الاحتياطى الإستراتيجى من القمح، مما يؤكد أن مصر تعانى من خطورة عدم كفاية القمح المخصص لإنتاج الخبز البلدى فى حالة عدم وجود بديل لروسيا، لاستيراد القمح من الخارج لسد العجز فى القمح المحلى، وأن عدم قيام الحكومة بتشجيع المزارعين خلال السنوات الماضية لزراعة القمح وراء انخفاض المحصول هذا العام مقارنة بالعام الماضى، وأن تصريح الدكتور على المصيلحى، وزير التضامن الاجتماعى، حول وجود احتياطى من محصول القمح جاء بناء على التعاقدات التى أجرتها هيئة السلع التموينية التابعة لوزارة التجارة والصناعة مع روسيا، وكذلك الدول الأخرى رغم عدم وصول العديد من هذه التعاقدات إلى مصر حتى الآن.

حالة الطوارئ التى أعلنتها الحكومة لمواجهة الأزمة بدأت من وزارة الزراعة التى أعلنت عن وضع الخريطة الجديدة بالدول التى سيتم استيراد محصول القمح منها خلال الفترة المقبلة، وهو ما دفع الوزير أيضاً إلى اللجوء للولايات المتحدة الأمريكية وإيفاد 8 مسؤولين من وزارات الصحة والتجارة والزراعة لزيارة الحجر الزراعى الأمريكى للاطلاع على الإجراءات الحجرية الأمريكية فى سحب وفحص الأقماح المعدة للتصدير، لتعويض الكميات التى منعت روسيا تصديرها.

وزارة التضامن الاجتماعى من جانبها تدرس حالياً مخاطبة مجلس الوزراء، بشأن تعزيز دعم الخبز لضمان وجود القمح اللازم المخصص لإنتاج الخبز البلدى حتى لا تتعرض الوزارة لكارثة وهى عدم وجود قمح كاف، لافتاً إلى أن توفير القمح من اختصاص وزارة التجارة والصناعة والممثلة فى هيئة السلع التموينية، فى حين تقوم الوزارة بتسلم الأقماح وطحنها، إضافة إلى إنتاجها خبزا جيدا ومطابقا للمواصفات القياسية.

حالة الطوارئ التى أعلنتها الحكومة بدأت مع الاجتماع الطارئ والعاجل الذى عقده المهندس رشيد محمد رشيد، وزير التجارة والصناعة، أمس الأول لدراسة الحالة واتخاذ القرارات العاجلة.

وأعلن رشيد أن مخزون القمح الإستراتيجى داخل صوامع البلاد سواء قمح محلى أو مستورد يكفى لاستهلاك البلاد لنحو 4 أشهر قادمة، وهو ما يؤكد عدم تأثر الكميات المتاحة للاستهلاك بقرار حظر تصدير الأقماح الروسية، حيث تلتزم الهيئة العامة للسلع التموينية بالحفاظ على مخزون إستراتيجى آمن داخل البلاد يكفى لمدة لا تقل عن 4 أشهر خلال التعاقدات القائمة.

رشيد استقبل القائم بأعمال السفير الروسى فى القاهرة نظراً لتواجد السفير خارج البلاد، وسلمه رسالة إلى نظيره الروسى لإعادة جدولة التعاقدات التى تمت بين الهيئة العامة للسلع التموينية والشركات الروسية قبل قرار الحظر، وتشكيل لجنة مشتركة للنظر فى سبل تنفيذ العقود وشحنها فى توقيتات مناسبة للطرفين، وذلك حرصاً على العلاقات المشتركة والمتميزة بين البلدين.

رشيد أوضح أن الهيئة العامة للسلع التموينية كانت متابعة لما يحدث فى السوق الروسية، وهو ما دفعها إلى تعديل شروط استيراد القمح فى شهر يوليو الماضى لتقديم تيسيرات للمناشئ الأخرى المنافسة للمنشأ الروسى، تمثلت فى السماح بالشحن من ميناءين فى فرنسا بدلاً من ميناء واحد، وهو ما أتاح للمنشأ الفرنسى العودة للمنافسة وزيادة عدد العروض المقدمة منه فى مناقصات الهيئة الأخيرة.

وأكد رشيد أنه لا داعى للقلق من الأزمة الحالية التى يمر بها المحصول الروسى، فهناك العديد من المناشئ يتوافر بها المعروض بشكل كبير وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا والأرجنتين، حيث تشير التقديرات الخاصة إلى أن إنتاج محصول القمح على المستوى العالمى لهذا العام يقدر بنحو 661 مليون طن بانخفاض 3 % عن العام السابق نتيجة لأزمة الجفاف التى أصابت محصول دول البحر الأسود وكندا، وأن إنتاج كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبى وأستراليا والأرجنتين لم يتأثر، بل هناك مخزونات كبيرة لديها لتعويض نقص المعروض العالمى المتاح.

وأشار رشيد إلى أن الهيئة العامة للسلع التموينية تلقت من خلال المناقصة التى طرحتها 17 عرضاً بكمية إجمالية تصل إلى نحو مليون طن لتوريد أقماح فرنسية وأمريكية وكندية، وقامت بالتعاقد على شراء كمية 240 ألف طن قمح فرنسى تمثل أربعة عروض فقط بأسعار تتراوح ما بين 300 و306 دولارات للطن CF، وذلك للتوريد خلال الفترة من 1 إلى 10 سبتمبر 2010 وهو ما يؤكد أن المخزون آمن وليس هناك أى نقص يستوجب شراء كميات بصفة عاجلة.

وقال إنه تم استبعاد أى عروض من منطقة البحر الأسود تجنباً لحدوث أى تقلبات أو مشكلات تؤثر على الكميات المخصصة للسوق المصرية من هذه الدول.

وأوضح الوزير أنه بالرغم من صدور القرار الروسى بحظر التصدير، فإن الأسعار فى البورصات العالمية قد استوعبت القرار وانخفضت نحو 40 دولارا يوم الجمعة الماضى، بعد أن كانت قد ارتفعت عقب صدور القرار مباشرة، وهو ما يوضح أن تأثر المعروض العالمى بنقص المعروض من روسيا ليس بالحجم الكبير، نظراً لتوافر مخزونات كبيرة لدى العديد من الدول المنتجة الأخرى.

وأكد رشيد أن جميع المنتجات والسلع التموينية المطلوبة لسد احتياجات المواطن المصرى خلال شهر رمضان موجودة منذ 5 أشهر، ولا توجد أى مشكلات.
ودعا رشيد إلى تشكيل لجنة برئاسة السيد أبوالقمصان، مستشار الوزير لشؤون التجارة الخارجية، لإعداد تقرير تفصيلى حول شروط المناقصات وأسلوب الشراء ومتابعة التطورات فى السوق العالمية.

ووفقا للتقارير الدولية تسعى معظم دول العالم إلى تصدير أقماحها لمصر باعتبارها أكبر دول العالم استيراداً للمحصول الإستراتيجى وتستورد منه 7ملايين طن سنويا لتعويض العجز فى الإنتاج المحلى البالغ 6 ملايين طن سنوياً.

الدكتور عبدالسلام جمعة، رئيس مركز البحوث الزراعية السابق والملقب بأبو القمح، يؤكد زيادة الكميات المستوردة إلى 9 ملايين طن خلال العام الجارى بسبب انخفاض الإنتاجية الفدانية للمحصول المحلى بواقع 3 أرادب للفدان، أى أن الإنتاجية الكلية لن تتعدى 5 ملايين طن وذلك لنفس الأسباب التى دفعت روسيا وأوكرانيا وعددا من الدول لمنع التصدير.

وعلى الرغم من تقديم بعض الجهات الرسمية التابعة للوزارة دراسات توقعت فيها حدوث هذه الازمة، فإن هذه التقارير لم تظهر إلا فى الاجتماعات التى يعقدها وزير الزراعة لبحث الأسباب التى أدت إليها، دون النظر إلى ما وصل إليه العلماء لتجنب وقوع أزمة غذاء.

أحد التقارير تقدم به قطاع الشؤون الاقتصادية بالوزارة قبل عدة أشهر كشف فيه تعرض محصول القمح المحلى إلى الانخفاض بنسبة مخيفة وصلت إلى 3 أرادب للفدان، حيث قدر التقرير إنتاجية الفدان بنحو 15.4 أردب، فيما بلغت العام الماضى نحو 18.6 أردب للفدان أى أن نسبة الانخفاض للفدان ستبلغ 4 أطنان، كما كشف التقرير عن أن انخفاض الإنتاجية الفدانية للمحصول سيؤدى إلى زيادة كميات الأقماح المستوردة بواقع 1.2 مليون طن ستتم إضافتها إلى جملة ما يتم استيراده سنويا، أى أن مصر ستستورد أكثر من 9 ملايين طن.

ووفقا للتقرير تبلغ نسبة استيراد مصر من القمح 45 % من الاستهلاك المحلى تستأثر أمريكا بـ41.5 % منها حتى السنوات الأخيرة، وأستراليا 22.7 %، وأوروبا 12.7 %، كما تمثل واردات القمح نحو 38 % من إجمالى قيمة الواردات الغذائية والزراعية لمصر.
ولكن أين الإستراتيجية الزراعية والخطة التى تضعها الوزارة سنوياً؟ وما أهم بنودها؟ وهل يمكن أن تعتمد مصر على دول الغرب فى تأمين احتياجاتها من القمح؟

الدكتور عبدالسلام جمعة يكشف أن الإستراتيجية الزراعية للعامين الماضيين تهدف إلى زيادة الكميات المنتجة من محاصيل الحبوب «القمح والذرة والأرز» لتصل فى النهاية إلى 32 مليون طن، حيث تهدف إلى زيادة الإنتاج من القمح إلى 9 ملايين طن، والذرة 15 مليون طن يمكن خلطها بالقمح لتحقيق نسبة أمن غذائى مقبولة، لكن -حسب جمعة-هناك معارضة شديدة داخل وخارج الوزارة لهذه الإستراتيجية، لذا لم تنفذ حتى الآن، ولم تجنِ الدولة منها أى شىء، وأصبحت ورقا محبوساً فى الأدراج.

ويطالب «أبوالقمح» بضرورة توجيه الدعم لمزارع القمح، وتوفير كل مستلزمات الإنتاج لتشجيعه على الزراعة، وقال: «إذا استخدمنا المبالغ التى يتم الاستيرارد بها من الخارج لدعم الفلاح ستكتفى مصر ذاتيا من القمح».

وأشار عبدالسلام إلى ضرورة التوسع الرأسى فى إنتاج القمح واستخدام الأصناف التى توصل إليها علماء مركز البحوث الزراعية التى تنتج 26 إردبا للفدان، مع زيادة المساحة الزراعية والوصول بها إلى 4 ملايين فدان فى الأراضى الجديدة التى وضعها الرئيس مبارك فى برنامجه الانتخابى، وإذا اعتمدنا على هذا الثلاثى، دعم الفلاح، والأصناف الجديدة، وزيادة المساحة المزروعة، سيكون لمصر شأن آخر فى إنتاج القمح.

من جانبه حمّل المهندس أحمد الليثى، وزير الزراعة السابق، أمين أباظة، الوزير الحالى، مسؤولية تعرض مصر لأزمة غذائية بعد أن قرر الاعتماد على الاستيراد بديلاً للإنتاج المحلى.

وقال الليثى إن أباظة لم يضع فى اعتباراته ما يمكن أن يحدث بالعالم وحظرها تصدير محاصيلها، وهو ما أعلنته روسيا ودول أخرى، واتهم الليثى سلفه بالتخلى عن الفلاح لصالح رجال الأعمال المستوردين والمصدرين لبعض المحاصيل.





مشاركة






الرجوع الى أعلى الصفحة