هذا هو ما حدث فى قضية الشاب خالد سعيد، فمن الممكن أن يكون مدمن مخدرات كما قالت الداخلية فى تقاريرها، أو شاب برىء مات ظلماً على يد اثنين من بلطجية الشرطة لغرض ما -- الله وحده يعلمه.
ولكن الغريب هو رد فعل الناس على تلك الحادثة، فالشعب المصرى عودنا ألا ينتفض إلا على أشياء معينة كمباراة كرة قدم لمنتخبنا – أو ظلم جديد وقع لأشقائنا فى فلسطين – أو تطاول أحد الأشخاص فى الخارج على مصر كرمز – أوحدث دينى كالرسومات المسيئه للرسول صلى الله وعليه وسلم.
وكان عندما يحدث هذا نخرج فى مظاهرات ونرفع اللافتات التى عليها عبارات الإدانة والشجب ولا يتعدى الأمر عدة ساعات نعود بعدها لبيتنا وكأن شيئاً لم يكن.
ولكن ما حدث فى قضية خالد سعيد هو شىء جديد لم نتعوده ولم يحدث من قبل، فأخيراً نزعنا الخوف من صدورنا وتمسكنا بمعرفة الحقيقه كاملة ورفضنا ما تعلنه وزارة الداخلية علينا من معلومات مغلوطة حتى اضطروا لإخراج الجثة وتشريحها من جديد لمعرفة تفاصيل أكثر.
كل ما قلته هى مظاهر إيجابية وجديدة على سلوك المصريين، أتمنى أن تدوم ولكن بعض القوى السياسية الأخرى أرادت أن تستفيد من هذا الموقف وتستثمره لصالحها الشخصى، فالبعض من حركات المعارضة التى تخرج فى الشارع لأتفه الأسباب يحملون اللافتات لتهييج مشاعر الناس ثم يتركونهم يواجهون مصيرهم مع عساكر الأمن المركزى والبعض ممن يحبون أن يكتسبوا شعبية أو أرضية لدى الناس، وخصوصاً أن الانتخابات على الأبواب، هم من يحركون الحملة فى القاهرة والإسكندرية وبعض المحافظات الأخرى.
فالجرائد تكتب والمحطات الفضائية تصور وتذيع، فقضية خالد سعيد أصبحت بالنسبة للبعض حملة إعلانيه مجانية يريدون من ورائها جمع تأييد الناس لهم، وظهورهم أطول وقت ممكن على شاشات الفضائيات.
فلو حدثت قضية خالد سعيد فى وقت آخر غير ذلك الوقت لما رأينا الناس يخرجون بهذا العدد وبعد كل هذه المدة على حدوثها، ولكن الظروف مهيأة تماماً أمام أصحاب المصالح الشخصية.
فالفساد يعم البلاد من أدناها إلى أقصاها، والحكومة أعطت لنا ظهرها بعد فشلها فى إدارة البلد وجعلتنا نخسر كل شىء حتى كرامتنا، حفنة من الإقطاعيين الجدد تحكموا فى ثروات البلد، الكل ينزلق إلى الهاوية والبلد تغرق ولا يوجد أحد صادق فى مشاعرهِ ونواياه سوى المواطن البسيط الخالى من الانتماءات السياسية الذى خرج فور علمه بالحادث إلى الشوارع، معلناً غضبه على كل ما يحدث فى مصر وليس قضية خالد وحدها.
لم ينتظر البعض لعدة أيام ليحسب رد الفعل والمكسب والفائده من وراء ظهوره فى تلك الحدث، لم يبلّغ هذا المواطن البسيط محطات التليفزيون وجميع الجرائد بموعد قدومهِ للاحتجاج على ممارسات الشرطة الهمجية مع المواطنين.
يجب أن نستفيق ونتعلم أن نعبّر عن مشاعرنا دون أن يستغلها أحد
كان بإمكانى أن أكتب عن الحادثة وقت وقوعها، ولكنى فضلت أن أتمهل حتى أرى الصورة كاملة.
أشاهد رد فعل جميع الأطراف، فالداخلية ألصقت بخالد جميع التهم إلا تهمة الإرهاب والإنضمام إلى جماعة محظورة واختارت الاتجار والتعاطى فى المخدرات بدلاً منها، وتعاملت كعادتها مع كل حادث مشابه يحدث فى أقسامها ومديرياتها، بتلفيق ملف كامل من الجرائم للضحية، أما الناس فـاختاروا خالد كنموذج للشاب الملآك الذى لا يخطىء أبداً وأنه ذهب ضحية لبطش الشرطة مع أنهم تركوه فريسة للمخبرين أمام أعينهم دون تدخل منهم.
أما أنا فاختارت أن أواسى مصر التى ترى أبناءها على هذه الحالة
حكومة ظالمة ومستبدة لا تسمع ولا ترى ولا تريد أن تعترف بخطئها، وبين معارضة كل ما تفعله هى عدة وقفات احتجاجية واستغلال للموقف، وشعب تائه لا يعرف مصيره.
خالد سعيد