مبارك.. فوزك بمبارك، وفوز مبارك بك!!!!
ومبارك عليك المجد الذى نلته يوم فرحك فقد قمت بإباء وشمم بإهالة التراب على زعيم مصرى كبير ومناضل حر.. زعيم من البشر دون شك، له أخطاؤه وله إنجازاته الكبرى التى لا ينكرها إلا جاحد أو جاهل أو متملق لحكام عصره، وحاشاك أن تكون واحدا منهم، لكنك اختزلت كل قيمة عبد الناصر الذى انشغل بمصر وعمل من أجلها على مدى نصف قرن لمن لا يعلم، فى أنه كان شريفا ومات مفلسا.
هذه هى البطولة وهى الفروسية.. هذه كلمتك للتاريخ ووصاياك لأتباعك حتى يحملوا الرسالة للأجيال القادمة.. هذا هو الوفاء الحق منك لرجل أخرج الإنجليز من مصر والسودان وحرر أفريقيا وبنى السد العالى ومئات المصانع وأمم القناة وحوّل الأجراء إلى ملاك وانتصر للعمال والفلاحين والبسطاء، وذلل كل العقبات أمام تعليم كل فرد وأرسل البعثات وشجع المواهب والمبادرات وتألقت فى عهده الفنون والآداب وحقق لمصر كلمة مسموعة فى العالم، وأخلص فى خدمة الشعب العربى وسعى بكل ذرة من فكره ووقته وصحته كى يرعى مصالحه، كما وقف إلى جانب كل الشعوب المظلومة والمنهوبة والمحرومة من العدل والحرية.. لكن التحديات فى الداخل والخارج كانت أكبر وعلى وجه أخص بسبب أمريكا التى قررت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أن تستولى على العالم العربى خلال سنوات مهما كانت العوائق.
كان يمكنه أن يتراجع عن كل المعارك الاقتصادية والسياسية، لكنه أبى أن تصبح مصر كما هى الآن.. لا تقدم ولا مكانة.. لا إنتاج ولا دور.. بلد عبارة عن سوق من العشوائية والتفاهة والتناقضات وانهيار شبه كامل فى كل المجالات.
أخيرا نلت شرف إلقاء القنبلة المدوية:
-عبد الناصر كان شريفا لكنه أخذ أبناء المصريين وقتلهم مرة واثنتين وثلاثة.. كلامك والحق يقال تشخيص غير مسبوق.
قلت بالضبط ما قاله الأمريكان عن أحمد عرابى: رجل لا يعتد به لأنه جر الاحتلال الإنجليزى إلى مصر.
إنك يا عزيزى الشاعر الملهم نجم ومثل أعلى ومفكر، ولك من المعجبين عدد ذرات رمال الصحراء، وعيدان القمح والذرة والقطن المهدور، وكلمتك لها وزن جبل، فما تراه تأثير قولك فيهم وأنت تختزل مسيرة شعب طوال عقدين فى أن القائد أخذ الشباب وقتلهم عدة مرات، ونسيت أولا: أن الرجل طيب الله ثراه كان يستفتى الشعب فى خطاباته على كل موقف، وكانوا يمنحونه الضوء الأخضر للكفاح والدفاع عن الكرامة، ثانيا: لا أظنه فاتك أن حرية الشعوب واستقلالها لم تتحقق بجرة قلم أو بالخطب أو بالقبل ولا بالاستسلام، بل تحققت بالدم والعرق والنضال.
ثالثا: هل غفلت عن أن مئات الآلاف بل الملايين من شعوب اليابان والصين وروسيا وأمريكا وألمانيا وفرنسا وبلاد أخرى كثيرة فى العالم ماتوا من أجل الحرية والاستقلال ؟ .. رابعا: هل أنفق اليابانيون ستين عاما يسبون الإمبراطور لأن نجازاكى وهيروشيما دمرتا فى عهده؟
وخامسا: لقد حمل نابليون عشرات الآلاف من أبناء فرنسا إلى مختلف بقاع العالم وقتلهم وتجرعوا الهزائم عدة مرات، وراحت دماؤهم هباء منثورا دون أن تكون قد أريقت من أجل الحرية أو الاستقلال أو الكرامة أو الحفاظ على أرض ولا لمساعدة دولة صديقة ولا لكسب ثروة، وكان داعرا خليعا ومجنونا، ومع ذلك فإن الشعب الفرنسى يعامله حتى الآن بمنتهى التكريم والتقدير، لمجرد أنه فى رأيهم كان يحاول مناطحة انجلترا وإعلاء اسم الإمبراطورية الفرنسية.
هل تدرى لماذا يا أستاذ عبد الرحمن لم تتخل تلك الشعوب عن قوادها، ولم يتهجم عليهم الكبار أو الأصفار؟.. لأن هذه الشعوب وفى المقدمة منها المفكرون والمثقفون عامة يعرفون معنى الموضوعية ونحن لا علاقة لنا بها على الإطلاق، وها هى الثقوب فى كل مكان تتسع حتى فى أكبر الساحات المصرية السياسية والعلمية بسبب غيابها ..تحرص هذه الشعوب وفى المقدمة منها الراسخون فى التاريخ والفكر على تأمل التجارب والخروج بالدروس وتطوير الحياة والمقدرات وفتح الآفاق لاقتحام العصر ولا يكتفون بالتصريحات العنترية الجوفاء فى كل محفل.. هكذا فعلت اليابان وألمانيا، لم يضيع أبناؤها الوقت فى سب الراحلين فلكل قرار ظروفه التاريخية المحلية والدولية، أما نحن فليس لدينا وقت للعمل لأننا مشغولون بازدراء من رحلوا وتعليق كل الأخطاء على أكتافهم، حتى ما يجرى فى أيامنا هذه.
عزيزى عبد الرحمن
كن كما عهدتك صادقا مع نفسك.. شاعرا كبيرا وإنسانا نبيلا، ولا تشارك الصغار محاولاتهم الصعود بتهشيم رجل ليس ككل الرجال فلست بحاجة إلى سلم من الجماجم لتصعد عليه. لقد أصبح الهجوم على عبد الناصر ومحاولة إزاحته عن عرشه لعبة التافهين أو من فقدوا القدرة على أن يقدموا الجديد وجفت ينابيعهم، فأيسر السبل للفت الأنظار سب المجاهد الكبير، أما أنت فملء السمع والبصر.
ولو افترضنا أن عبد الناصر كان رئيسا عاديا وأقل من العادى بل وقتل أبناء المصريين كما تزعم، فهو فى نظرى ونظر الموضوعيين بالقياس لما يحدث الآن يكاد يبلغ مكانة الأنبياء ولم يتجاوز الحق.. العظيم نزار.
فى آخر زيارة قمت بها للعراق قبل واحدة من أبشع الجرائم الدولية وهى غزو صدام للكويت، دخلت محلا فى بغداد لأشترى بعض المستلزمات الشخصية، ففاجئنى صاحب المحل بقوله:
- .. ابعد .. لا أبيع شيئا للمصريين
شعرت بالصدمة، وكان يجب أن أثور عليه أو أتجاهله، لكننى رأيت أن أشترى معلومة ما دام لن يبيعنى ما طلبته.. سألته:
- لماذا يا رجل؟
قال بحدة وقرف: لأنكم تتنكرون لأفضل رجل عربى، ومن لا يعترف بأنه خير من أنجب العرب فلا أتعامل معه أبدا مثله مثل الصهيونى.
وتبقى الكلمة الأخيرة موجهة إلى أحباب عبد الناصر وعارفى فضله:
- لماذا تلوذون بالصمت والهجوم على الرجل يتزايد؟..أرجوكم تحركوا.. لا من أجل الشخص فقد مات، ولكن من أجل الحق والموضوعية.. من أجل العدل والتاريخ.. من أجل القيم النبيلة والشرف.. من أجل الوطن والانتماء لنماذجه الرفيعة.. من أجل الأجيال الحالية والمقبلة حتى تزول الغمة عن العيون وينزاح الضباب وتتضح الرؤية التى تكبلها الحيرة.
إن كل شىء فى بلادنا يتشقق ويتصدع وفى طريقه للتهاوى، وبداية مشروع المخلصين لوقف النزيف هى رد الاعتبار لكل من أسهموا حتى لو قصروا أحيانا، فلهم بالتأكيد إيجابيات ومحاولات وعشق أصيل للتراب الوطنى.
وختاما لك خالص أمنياتى القلبية بدوام الصحة والسعادة والإبداع.. أيها المتفرد.