أنا عدو الوطن.. يا لها من جملة شديدة الخطورة، وذات وقع مؤلم وفظاظة على الأذن والنفس، خاصة إذا كان من يسمعها يعرف معنى الوطن والوطنية.
أنا عدو الوطن.. جملة سمعتها من صبى يبدو فى الثانية عشرة من عمره، يتباهى وهو يقولها ويكررها كأنها شرف عظيم نسب إليه.. قالها عندما طلبت منه "تعريفة" السيارة التى كنا نستقلها فى مواصلة داخلية بشارع الهرم، والتعريفة للأسف عبارة عن "50 قرشاً" ليس أكثر.
أنا عدو الوطن.. يبدو أن قائلها مغترب وليس قاهرياً جاء للعمل، كما يبدو كذلك أنه أمى، يلبس ملابس رثة، وبشرته سوداء من كثرة تعرضه للشمس، ولم يكن بمفرده، بل كان معه اثنان من أصدقائه، غالباً زميلاه فى العمل، لا يختلفان عنه فى شىء إلا السن، فهما أقل منه عمراً.
أنا عدو الوطن.. بكل الخطورة التى تحويها ليتها كانت كل كلام الشباب وصديقيه، فالأخطر منها مجموعة من الألفاظ النابية الخادشة للحياء، التى يعف اللسان عن ذكرها، وتأبى الأذن سماعها، وذلك فى حضور مجموعة من الرجال والنساء، الذين لم يعرهم أدنى اهتمام.
أنا عدو الوطن.. لا أقول إنها حال شبابنا الآن، لكن من المؤكد أنها أصبحت حال مجموعة منهم ـ كثرت أم قلت ـ هذه الأيام.
أنا عدو الوطن.. بالتأكيد كانت موجودة قبل ذلك، وليست هذه المرة الأولى لها، لكن الجديد هذه المرة أنها تقال عياناً بياناً على رؤوس الأشهاد، ويتباهى صاحبها بها، خاصة إذا كان فى مثل هذه السن.
أنا عدو الوطن.. مشكلة خطيرة، وبالتأكيد عواقبها فى المستقبل أشد خطورة، فإذا كان هذا حال الصبى الآن، فماذا نتوقع أن يكون فى المستقبل، إلا جاسوساً أو إرهابياً أو انتحارياً على الأقل.
أنا عدو الوطن.. مشكلة لها أسبابها الكثيرة والمعلومة لدى الجميع فى وطن قاهر لأبنائه، مثل سوء التربية وسوء التعليم، والفقر والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، لكن نتمنى أن تكون لها حلول فعلية وإيجابية عند مسئولينا الكرام، نتمنى أن يعرف جميع أبنائنا معنى الوطن والوطنية حتى لا نسمع هذه الجملة الخطيرة.
هوامش لعدو الوطن:
الوطنية صفةٌ مُشتقةٌ من الوطن، الذى يعنى مكان إقامة الإنسان ومحل معيشته مع من حوله من كائنات، وما حوله من مكونات، والإنسان فى هذا الوطن مرتبطٌ مع من فى مجتمعه بالعديد من الروابط الاجتماعية والمصالح المُشتركة.. والإنسان يحب وطنه الذى عاش فيه، ونشأ بين ربوعه؛ إذ إن ذلك أمرٌ فطرى وسلوكٌ طبيعى وعاطفةٌ إنسانيةٌ يشترك فيها الناس جميعاً على اختلاف الأزمنة والأمكنة.