المعدن الحقيقى للصديق يظهر فى وقت الشدة والضيق.. وفى الوقت الحالى تبدو إسرائيل أحوج ما يكون لجهود جميع الأصدقاء فى المنطقة.
لا أحد يعرف على وجه التحديد ما الذى جعل إسرائيل تتصرف بهذا الشكل فتنتهك حرمة المياة الدولية وتقوم بعمل أحمق لا يستطيع أقرب الأصدقاء أن يصفه بغير كلمة "جريمة".. كان يمكنها أن تنتظر أسطول الحرية حتى يدخل المياه الإقليمية لإسرائيل أو غزة فتمتلك مبررا يكفى لاعتراضه وتوقف من فيه.. وكان يمكنها أن تستولى على السفن بدون أن تريق قطرة دم واحدة.. وفى كل الأحوال كانت ستحقق هدف أحكام الحصار على غزة وتمتلك مبررات "نظرية" تجعلها تستمر فى التظاهر بأنها الدولة اللطيفة الرقيقة التى تحترم القانون.. ولا تقوم بأى عمل عنيف إلا لحماية نفسها "يا حرام" من الإرهابيين الفلسطينيين فى غزة والإرهابيين اللبنانيين فى حزب الله والإرهابيين الإيرانيين أصحاب الملف النووى..
ولكن لسبب غير مفهوم، قررت إسرائيل التصعيد إلى آخر مدى.. قررت أن تتصرف على طريقة محمود عبد العزيز فى فيلم إبراهيم الأبيض، عندما أطلق الرصاص ووقف متحديا الجميع قائلا: "حد له شوق فى حاجة".. وكأنها تعلم بشكل مؤكد أن الجميع "بمن فيهم الاتحاد الأوروبى وتركيا" سيحنون الرأس ويلوذون بالصمت.. قررت أن ترسى قواعد جديدة مفادها أن البحرية الإسرائيلية تمتلك حقا مطلقا فى العمل فى المياه الدولية وإيقاف أى سفينة لا تعجبها..
المهم.. ما حدث قد حدث.. وسواء كانت إسرائيل قد أخطأت بسبب الحماقة وعنجهية القوة أو عن تخطيط مسبق لتحقيق أهداف لا نعلمها.. فقد أصبح الموقف الآن حرجا للغاية بالنسبة لإسرائيل، وأصبح من الممكن أن يتصور البعض لا قدر الله أنها كيان غاصب ودولة عنصرية تقوم على القتل والذبح والسرقة وانتهاك القانون.. ولذلك فقد أصبحت فى أمس الحاجة إلى الدعم والمساندة من الأصدقاء الأوفياء.. طبعا من حق الأصدقاء أن يقوموا باستدعاء السفراء الإسرائيليين ويسمعونهم بعض بيانات الشجب والتنديد.. ومن حق الأصدقاء أن يرسموا تكشيرة رسمية ويستخدموا بعض التعبيرات المعتادة فى مثل هذه المواقف من قبيل "إخص عليك يا إسرائيل.. وعيب كده ما يصحش.. والسلام خيار إستراتيجى".. ولا مانع حتى من أن يتم ترديد مثل هذا الكلام فى حضور وزير إسرائيلى كما حدث فى العاصمة القطرية التى كانت تستضيف بنيامين بن أليعازر وزير التجارة والصناعة الإسرائيلى أثناء وقوع المذبحة فى المياه الدولية أمام شاطئ غزة.
سوف تتصاعد هنا وهناك دعوات مغرضة بقطع الغاز المصرى عن إسرائيل (أو حتى أن نبيع الغاز بسعر عادل ولا نتبرع به للأصدقاء الإسرائيليين ببلاش).. أو بطرد السفراء الإسرائيليين من القاهرة وعمان.. أو بفتح معبر رفح أو بتخفيف الحصار على غزة.. أو حتى بمقاطعة البضائع الإسرائيلية وتجميد أو إلغاء اتفاقية الكويز التى جعلت الشراكة الصناعية والتجارية مع إسرائيل أمرا واقعا.. ولكن كل هذا الكلام سيقابل بأذن من طين وأخرى من عجين.. فالمزاد على إثبات الصداقة والولاء والوفاء لإسرائيل بدأ.. وإذا كانت الدوحة استمرت فى فعاليات مؤتمر اسمه "مؤتمر إثراء المستقبل الاقتصادى للشرق الأوسط" بحضور وزير التجارة والصناعة الإسرائيلى، بنيامين بن أليعازر.. فعلينا أن نجهز شرم الشيخ لاستقبال بنيامين نتنياهو شخصيا.. وربما علينا أيضا أن نفرض إجراءات عقابية ضد تركيا "الوحشة" التى أثارت غضب إسرائيل وعكرت مزاجها وجرتها إلى الوصول إلى هذا المأزق الدولى.. لابد من فرض العقوبات على تركيا ومنع الحديد التركى من دخول الأسواق المصرية، وبذلك نكون ضربنا سرب من العصافير بحجر واحد.. ساندنا إسرائيل وأوقفنا النفوذ التركى من التسلل للمنطقة.. وبالمرة رفعنا أرباح محتكرى الحديد فى مصر.. وأهو كله مصلحة.