الوطن هو شكل العلاقة بين المواطن والأرض التى يعيش عليها، وأعتقد أنه هناك أربعة أبعاد لهذه العلاقة على النحو التالى:
أول الأبعاد وأعمقها أثراً فى تكوين الشخصية هى علاقة الإنسان بأهله وأصدقائه، وثانيها هو التراب الوطنى والأرض وما تحمله من زرع ونهر وتراث، وهو الأمر الذى تهب له الشعوب وتدافع عنه الأمم على اختلاف أجناسها وأعراقها، البـُعد الثالث هو التاريخ نفسه، فلكل أمة تاريخ يمتد فى جذور الزمان.. صنعته وبذلت من أجله الوقت والمجهود وتَـوَّجَته بالدم والكفاح المستمر، والتاريخ ليس كالأرض، فلا يمكن سرقته أو احتلاله لكنه يـُصاب بما هو أخطر، مثل السطو عليه أو تزويره أو العبث بمحتوياته وسمعة شرفائه وصانعيه.
أما البـُعد الرابع فهو الثقافة، فثقافة الإنسان محرك رئيسى لبناء المجتمع، وثقافة المجتمع هى بدايته الحقيقية وهى النسيج الأصلى أو المادة الخام التى تؤسس الأمم لتوجد لها مكانا مناسبا فى الحياة، وبتنوع الثقافات تختلف الحضارات وتتباين فى اتجهاتها.
وهناك البـُعد الخامس الذى يضمن لكل الأبعاد السابقة الاستمرارية ويضمن تقدم الوطن بالفعل.. هذا البـُعد هو الذى يضع الأبعاد السابقة فى منظومة متناغمة وثابتة ويلعب دور المايسترو فإما رقى وحضارة حقيقية، وإما دمار وخراب تاريخى.. إنه الانـتـــماء.
إن الوطن الذى يفتقد لانتماء أبنائه يصبح كالأم التى هجرها أبناؤها فى جحود جماعى شامل، أو يصير وطنا يتيم كابنة يحتضر عاطفياً أمام قسوة أوليائها، وفى كلتا الحالتين لا يستحق الوطن– أى وطن– أياً من المصيرين.
ومن جهة أخرى، فالانتماء قضية غريزية وفطرية يبحث عنها الإنسان بداخله ثم يغطى بها خارجه، وانتماء الفرد للجماعة يعتبر هدفا أعلى وأغلى وأقوى من أن يقاومه بشر، ولنا أن نعلم أن فقدان الطفل للانتماء يزيده تمردا، وللشاب يزيده عنفا، وللابن يزيده جحودا، وللأب يزيده قسوة..
الانتماء هو البـُعد الخامس والمهيمن على الأوطان، والكارثة الحقيقية هى تبادل اللاانتمائية بين الوطن ومواطنيه، الطامة الكبرى إذا خرج المواطن من عباءة وطنه، وابتعد الوطن عن حضن أبنائه.. عندها تتساقط كل الأبعاد كفرط العقد، وتتناثر الأمة بين الأمم، فالحذر كل الحذر إذا غاب الانتماء، هذا هو الأمن القومى الإستراتيجى لحاضر ومستقبل الأمة– أى أمة.