من يقرأ صحف الحكومة يعرف أن مهمتها الوحيدة هى تلويث سمعة مواطن قتل عمداً أمام شهود شهدوا بتفاصيل الواقعة، وأثبتت النيابة أقوالهم فى تحقيقاتها، يظن جهابذة الصحف الحكومية أن تلويث سمعة القتيل تكفى لبراءة القتلة، يتناسون عمداً وعن سبق إصرار أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، يفعلون كما فعل المخبرون بالضبط، اتهموه وحاكموه وعاقبوه، كل ذلك فى إجراء واحد، وأمام الناس فى الشارع، وفى حضور عشرات الشهود الذين راعهم أن يجرى أمام أعينهم جريمة قتل علنية بلا أدنى حرج.
سابقة أعمال الشرطة معروفة للجميع، ويكاد يكون من باب العلم العام طريقة تعامل الشرطة مع المواطنين فى كل مكان، فى الأقسام، وفى المراكز، وفى الشوارع، وعلى المقاهى، ولن تستطيع لا بيانات الداخلية ولا تقارير الطب الشرعى، مع احترامنا لمن كتبوها، أن تجعل الناس يصدقون بياناتهم وتقاريرهم ويكذبون ما تراه أعينهم كل يوم بلا توقف، خبرة الناس اليومية ليست فى صالح تلك البيانات، ولا هى فى صالح هذه التقارير.
ركز التقرير الأخير كما فعل التقرير الأول على سبب الوفاة، وحتى الآن لم يتأكد تضمن التقرير الوصف التفصيلى والحصرى لكافة الإصابات الظاهرة والداخلية فى جثة الشاب القتيل، وقد استمعت مع غيرى إلى مداخلة كبير الأطباء الشرعيين مع برنامج مصر النهارده والتى ركز فيها على سبب الوفاة وعلى تناول القتيل للبانجو والحشيش ومواد مخدرة أخرى، ولكننا لم نسمع منه الوصف التفصيلى لإصابات القتيل، هذا الوصف التفصيلى ليس مهماً فقط ليكون التقرير الشرعى مكتملاً ومستوفياً لاشتراطات النزاهة والمصداقية حيث إن أى إهمال لأى إصابة يضع علامات استفهام حول التقرير، ولكنه مهم أيضاً فى تحديد الظروف التى جرى فيها إدخال لفافة البانجو التى يقال إنها السبب فى الوفاة.
الغريب فى هذا الموضوع برمته من أول يوم عرف به الناس أننا أمام سلوك شاذ من صحف الحكومة التى اعتبرت المتهم مذنباً قبل محاكمته والتحقيق معه، بينما اعتبرت المخبرين المتهمين بقتله أبرياء أيضاً بدون محاكمة ولا تحقيق، خالد سعيد مذنب ويستحق ما جرى له، بل هو المسئول عما جرى له، لأنه شاب مدمن وحشاش، والمخبران أبرياء من دمه، بحكم صادر من محكمة الصحف الموالية للحكومة، هكذا نصبوا أنفسهم قضاة، وحكموا وعاقبوا، ولا عزاء للقانون والنيابة والقضاء والتحقيقات وكافة الإجراءات القانونية. إنها حالة استباحة لدم المواطن ودفاع مستميت عن تصرفاتٍ يعلم الجميع أنها موجودة ومنتشرة ومشاهدة كل يوم فى كل مكان.
لم يحدثنا أحد عن تأمين سلامة المتهم فى حالة القبض عليه، وهى لا شك واحدة من مهام ومسئوليات القائمين على عملية القبض، ولم يحدثنا أحد عن الاستخدام المفرط للقوة فى عملية القبض على المتهم، ولم يحدثنا أحد عن مسئولية المخبرين عن ابتلاع المتهم لدليل إدانته رغم سيطرتهم عليه من أول لحظة حسب شهادة الشهود.
أقول هذه القضية مفتوحة على احتمالات كثيرة، وتقرير الطب الشرعى ليس نهاية المطاف، وليس هو الدليل الحاسم على سبب الوفاة، والنيابة تحقق، وشهود الواقعة قدموا شهادتهم، والمشكلة ليست فيما إذا كان سيحكم فى النهاية لمصلحة الشاب القتيل من عدمه، المشكلة فى أن هذا الحكم إما أنه سيعيد إلى الناس اطمئنانهم إلى أن البلد لا يزال فيها قانون، وإما أنه سوف يرسخ لديهم حقيقة أن القانون فى إجازة، وساعتها يكون الوطن كله فى مهب ريح قانون الغابة.