لقد أفزعنى خبر قيام السيد المستشار محمد الحسينى– رئيس مجلس الدولة– بتقديم بلاغ للنائب العام ضد المصرى اليوم واليوم السابع بخصوص ما تم نشره على صفحاتهما من وقائع معلنة فى مذكرة النيابة العامة حول قضية الرشوة المتورط فيها أحد رجال الأعمال ومستشاران سابقان بمجلس الدولة.
هذا وقد استند رئيس مجلس الدولة إلى أن ما نُشر قد أدى إلى الإضرار بمكانة وهيبة مجلس الدولة ونال من سمعة ذلك الصرح القضائى الشامخ وقضاته الأجلاء وما يسببه ذلك من اضطراب بالثقة المستقرة فى ضمير العامة من المتقاضين.
وتعليقاً على ذلك البلاغ– الذى أؤكد عدم اقتناعى بمبرراته نهائياً– لقيامه على أسانيد مرسلة وعبارات إنشائية رنانة وجمل تعبيرية رصينة، فإنى أوجه حديثى لسيدى رئيس "الصرح القضائى الشامخ": هل القضاة على رأسهم ريشة أم أنهم من طينة أخرى مختلفة عن باقى البشر؟
يا سيدى رئيس "الصرح القضائى الشامخ" لا يعيب ذلك الصرح أو ينال منه أن يكون به بعض الشوائب العالقة طالما ينقى نفسه بنفسه، فوجود مستشار أو أكثر– من خائنى الأمانة– فى ذلك الصرح القضائى الشامخ لا يعيبه أو يقلل من شأنه، وأنتم يا سدنة العدل والعدالة بشر تصيبون وتخطئون مثلنا تماما– أعتذر عن تشبيه القضاة أنهم مثلى فأنا مواطن بسيط لا أتمتع بأى حصانة– واعتذارى هذا نابع من إحساس بعض القضاة أنهم أصبحوا فوق البشر لا يجب المساس بهم أو التعليق على تصرفاتهم العامة وأحكامهم حتى وإن أخطأوا فيكون عقابهم غير معلن انتهاجاً لسياسة التعتيم التى ينتهجها بعض المسئولين بالدولة وكأن الكبير إن أخطأ فواجب علينا التصفيق له وأن ندارى على فعلته
يا سيدى فأنتم تعلمون أكثر منى أن الكبير إذا أخطأ يجب أن يكون عقابه كبير مثله على قدر حجمه ومسئوليته.
فالجميع يعلم وسيادتكم أولهم أن القضاة لا ينقصهم مال أو سلطة أو جاه، فلماذا إذن خيانة الأمانة ولماذا فى ذات الوقت يتم التنيكل وفضح و"مرمطة" الموظف الصغير إذا أخطأ خطئاً قد يكون عن غير قصد أو حتى عن قصد، فهل تخضعون لقوانين غير التى تحكمنا جميعاً وهى القوانين التى تنظم شئونكم تلزم بعدم مساءلة القاضى جنائياً.
يا سيدى أنتم تعلمون جيداً أنه من وقت لآخر يتم إلقاء القبض على قلة من القضاة فى حالة تلبس أثناء ارتكابهم بعض الجرائم ويكون عقابهم الوحيد إجبارهم على تقديم استقالتهم وهو ما أدى إلى عدم ردع أياً من الذين تسول لهم أنفسهم خيانة الأمانة التى يحملونها فى أعناقهم، وسيادتكم تعلمون أن الاستقالة لا تمنع من استحقاق موظف الدولة– أياً كانت وظيفته– من يستحقق مكافأته أى إن ترك القاضى للخدمة فى هذه الحالة بدون مساءلة جنائية لا يعتبر عقابا كافيا، خاصة وأنه فاز أيضا بقيمة الرشوة التى حصل عليها وما خفى كان أعظم!
سيدى رئيس الصرح القضائى الشامخ، مشكلتنا أننا إذا سرق فينا الكبير سترناه وأغمضنا أعيننا– عمدا- وإذا سرق الصغير "فضحناه وألقينا به فى غياهب الجُب".
وإذا نظرنا للأمور بنظرة أخرى، لوجدنا أن البلاغ المقدم ضد المصرى اليوم واليوم السابع هو وسيلة من وسائل تكبيل الصحف وحرية الصحافة وحق المواطن فى المعرفة، فالصحافة دورها كشف الخلل والفساد فى كل مفاصل الدولة فالإعلام يشكل السلطة الرابعة وله دور كبير فى كشف الإنحرافات والأخطاء وهذا إن دل فإنما يدل على الديمقراطية، فقد قيل "إن أردت أن تعرف ديمقراطية بلد ما فانظر إلى صحافته".
ومن المعلوم تعاظم دور الصحافة لدرجة أن أطلق عليها صاحبة الجلالة، لأن تأثير ما تطرحه وتطالب به قد يكون أحياناً أكثر فاعلية مما تقوم به سلطات الدولة الثلاثة.
وأعود وأوجه حديثى لرئيس الصرح القضائى الشامخ إنك ببلاغك هذا تعدم وتقيد الدور الرقابى للصحف وتحجر على حقى فى المعرفة وهو الحق الذى يحاربنى فيه بعض المسئولين الذين يتعمدون إغفال الحقائق.
يا سيدى إن ما نشر فى صالح الصرح القضائى الشامخ ويؤكد على عدم السكوت على المخطئ– وإن كنت أكرر عدم اقتناعى الشخصى بالعقاب.
سيدى المستشار الجليل– قضاء مصر شامخ ولا يهتز بقاض فاسد، فالشرفاء هم الأغلبية فلماذا لا تذهب القلة منهم إلى محكمة الجنايات ليطمئن الناس أنه لا أحد فوق القانون– فدون ذلك لا نطمئن إلى أننا سواسية– فالقرارات التأديبية فى حق من ثبت خطئهم أصابتنى وأصابت الشعب بمرارة وحسرة واهتزاز ثقتى فى أننى والقضاة على حد السواء وأن القاضى أحسن منى ليس بعلمه وعمله ولكن بسلطاته ونفوذه وصلاحياته.
وختاما ما نشر باليوم السابع والمصرى اليوم لم يزعزع ثقة المواطن فى الصرح القضائى الشامخ، بل عدم المساواة هو الذى يزعزع هذه الثقة.
أحمد إسماعيل أحمد يكتب: كلنا سواسية يا رئيس الصرح القضائى الشامخ
الأربعاء، 16 يونيو 2010 04:18 م