خالد صلاح

محمد الدسوقى رشدى

27 سنة من غير أمل دنقل

الأحد، 23 مايو 2010 11:41 ص

إضافة تعليق
أنت تعرف تلك المساحة من البياض والبراح، تلجأ إليها غالبا قبل أن يتنصر طوفان الدموع ويبحر بسلاسة داخل عينيك، تحتويك فى لحظات اليأس المصحوبة بالملل، وتنطلق فيها بصحبة قلمك ترسم خطوط بالطول وخطوط بالعرض ودوائر غير منتظمة، من أعلى قمة فى الصفحة إلى أسفل نقطة فى القاع أنت تتحرك فى هذا الهامش وتعبر عن نفسك، ترفع شعاراتك وتهتف وتسب الحكومة، وتقول لحبيبتك مالا يمكن أن يقال وجها إلى وجه إن كنت خجولا أو أن كنت تحبها من طرف واحد، فى هوامش "الكتب" و"كراريس" و"كشاكيل"المدرسة غالبا ما نرفع شعارات ونكتب كلمات قصائد هى غالبا ثمرات عقول وإبداع آخرين، وعلى مملكة الهامش يسيطر رجلان نزار قبانى بكلمات حبه، فهو الأمير إذا كانت الأمور رومانسية، وأمل دنقل هو الملك حينما يتعلق الأمر بالحالمين فى الحب والسياسة والباحثين عن يوتوبيا أفلاطون.. وقتها تظهر الكثير من قصائده لتعبر عن كل الأحلام وتشاطرك مشاعر الانكسار والإنتفاضة.. وفى الغالب تكون أول الكلمات الظاهرة هى رائعة أمل دنقل.. لا تصالح.

هذا هو التأثير الأكبر لقصيدة أمل دنقل أنها سلاح يرفعه أبناء هذا الوطن كلما حاولت الدولة أن تجرهم إلى حظيرة التطبيع مع إسرائيل، القصيدة أصبحت معنى آخر لمعانى الوطنية والسعى لاسترداد الحق وعدم التهاون فيما ضاع، دعك من جمال كلامها وحسن رشاقتها وروعة تعبيراتها وانظر إليها مجردة ستجدها السلاح الأقوى فى وجه إسرائيل، ستجدها فى هوامش كتب الطلاب الذى أصابهم حماس السياسة مبكرا، وعلى أسوار المدارس والجامعات، وفى أعمدة الكتاب، وعلى ألسنة الخطباء حينما يتعلق الأمر بالحق الضائع.

"لا تصالح" التى أبدعها أمل دنقل فى نوفمبر "1976م" ولدت مؤثرة وصرخة ولادتها كانت واضحة فى مواجهة اتفاقيات السلام مع إسرائيل، كانت أقوى من المظاهرات وعلامات الرفض الأخرى لأنها الوحيدة التى مازالت على قيد الحياة تمارس دورها الذى أنجبها أمل دنقل من أجله، البشر الذين رفضوا وقاطعوا بعضهم أخذته الحياة وانفرم فى خلاط الدنيا والمصالح، وبعضهم مات بحسرته.. وحدها "لا تصالح" مازالت تقاتل حتى الآن ومازالت تعيش حتى الآن.

وقتها كان لابد من كلمة تاريخية وخالدة فى مواجهة الاتفاقية التاريخية فكتب أمل دنقل ما نستمر فى ترديده الآن.

لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هى أشياء لا تشترى..

هذه الكلمات ظلت كالمنبه الذى ظبطه "أمل دنقل" ليذكر الناس كلما أحس بغفلتهم تطول، كلما تمادت الدولة فى علاقتها مع إسرائيل وكلما أصبحت قدم رئيس وزراء الدولة العبرية أكثر اعتيادا على أرض مطار القاهرة أو شرم الشيخ يعود صوت أمل دنقل وهو يهتف بحنين وقوة..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أَضْلُع المستحيل
لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته فى الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة!"

حينما تعود أصداء حواديت الصلح ومفاوضات السلام والمؤتمرات المتغيرة الاسم من أجل استعادة الحق الضائع تلمح قسمات وجه أمل دنقل فى الهواء النقى وهى تحمل كلمات قصيدته وتقول ..
لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
وكيف تصير المليكَ..
على أوجهِ البهجة المستعارة؟
كيف تنظر فى يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
فى كل كف؟
إن سهمًا أتانى من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة.

وعندما تظهر بقايا أجساد جنودنا من أسفل رملة سيناء التى شربت حتى ارتوت من دمائهم، وتظهر بين كل خطوة وخطوة مقبرة جماعية جديدة ويطالبون الأمهات الغاضبة بأن تهدأ من أجل السلام وأن تصمت من أجل السلام وأن الحى أبقى من الذى قتل أسيرا وضرب غدرا من خلف ظهره..لابد أن نتذكر فورا..
"لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟"

فى تلك القصيدة تكررت لفظة "لا تصالح"عشرين مرة فى المقاطع العشرة بواقع مرتين فى كل وصية، عدا الوصية الخامسة تكرر فيها ثلاث مرات.

إنه تكرار لا يعنى إلا شيئا واحدا فقط هو أنه أراد لموقفه الخلود، فأجابه الناس بنعم حينما كرروا ما كتبه أمل دنقل فى منتدياتهم ومظاهراتهم وهتافاتهم أكثر مما فعل أمل دنقل نفسه.. فبقيت لا تصالح رمزا وبقى أمل دنقل حيا..فهل تريد تأثيرا أكثر من ذلك لقصيدة؟ لقد أبقت إنسانا حيا، وأبقت موقفا على ما هو عليه رغم كل الظروف.. ورغم اتفاقيات الغاز والزراعة ورغم احتضان الرئيس لنتانياهو وحميمية وخضوع أبو الغيط فى التعامل مع تسيبى لفينى حينما كانت وزيرة للخارجية..
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة