قبل الانتخابات البرلمانية فى العراق ساد اعتقاد مشوب بالحذر لدى متابعى الشأن العراقى، بأن هذه الانتخابات قد تقضى على الطائفية التى انتشرت بعنف منذ سقوط نظام الرئيس العراقى السابق صدام حسين.. وكان مبعث هذا الاعتقاد أن أهم قائمتين متنافستين فى الانتخابات جرى تشكيلهما على أسس سياسية بعيدا عن الحصص الطائفية، وهما ائتلاف دولة القانون برئاسة رئيس الوزراء نورى المالكى، والعراقية برئاسة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوى.
لكن الانتخابات لم تفرز أغلبية واضحة لأى فريق أو قائمة، ومنحت العراقية تقدما بفارق مقعدين فقط عن ائتلاف دولة القانون، وبينما سادت توقعات أن تتحالف القائمتان السياسيتان معا فى مواجهة القوائم الأخرى التى جرى تكوينها على أساس طائفى بحت، سنية وشيعية وكردية، فقد لجأ علاوى للتنسيق والتحالف مع القائمة الشيعية الفائزة فى الانتخابات، مما يعنى إعادة الفرز الطائفى فى البلاد، وتشكيل حكومة جديدة على أسس طائفية.
ورغم أن الحكومة العراقية تمر بولادة متعثرة حتى الآن، لكن الآمال التى سبقتها بانتهاء الطائفية يبدو أنها فى طريقها إلى زوال، مما يعنى المزيد من العنف والقتل على أساس الهوية.
ولا تقف المشكلة عند هذا الحد فقط رغم خطورته وبشاعته، لكن المشكلة أنها ستؤدى فى النهاية إلى تعميق الفصل القائم بين العراقيين، حيث تحول العراق على الأرض إلى ثلاث دويلات شيعية فى الجنوب وسنية فى الوسط وكردية فى الشمال.
ويخشى المراقبون من أن يؤدى استمرار هذا الفرز الطائفى وعملية تهجير السكان حسب المذهب إلى تقسيم العراق فى النهاية إلى ثلاث دول، خاصة وأن الشمال الكردى يكاد يكون شبه مستقل عن الحكومة المركزية فى بغداد.
العراق مقبل على فترة مهمة جدا فى تاريخه السياسى، ستؤثر على شكل الدولة العراقية، وعلى حالة التعايش بها، وعلى وحدة الأراضى العراقية، وقد يكون التحالف على أسس سياسية بين كتلتى المالكى وعلاوى مدخلا لوقف هذا المستقبل المظلم، لكن المشكلة أن السياسيين يبحثون عن الغنائم الشخصية، أكثر مما يفكرون فى مستقبل وطن، كان كبيرا وقويا ومهما.