"نعم .. إنه هو !! .. أنا لا أصدق عيني ! " ـــ إنها المرة الثانية التى أرى فيها نائب المجلس الموقر .. النائب المحترم الذى انتخبته وأعطيته صوتى فى الانتخابات الماضية . . النائب الذى حملّته أمانة صوتى كى يدافع عنى وعن حقوقى ومصالحى، النائب الذى وثقت فيه بأنه سوف يتحدث باسمى وسوف يشارك فى سن القوانين والتشريعات التى تخدمنى وتخدم وطنى.
نعم .. إنه هو !! .. إنه النائب الذى انتظرته أن يسأل الحكومة عن أسباب تلك الأزمات المتوالية .. إنه النائب نفسه الذى تمنيت أن يستجوب الوزراء والمسئولين عن أسباب التأخر والفساد ... انتظرته أن يفعل شيئا من ذلك وأكثر .. لكنه لم يفعل شيئاً .
بل إننا ــ أهل دائرته ــ لم نره سوى مرة واحدة فى أثناء حملته الانتخابية قبل الانتخابات، حيث كان يغدق علينا من الوعود والآمال ما قد يجعلنا نصبح ذات يوم مثل الشعوب الأوربية وربما أكثر .. وإذا حاولنا السؤال عنه والاستفسار عن أحواله، قيل لنا: بأنه فى القاهرة فالنواب مشغلون هذه الأيام بإعداد ومناقشة قانون كذا وقانون كذا .. فاذا انتهت الدورة البرلمانية عاودنا السؤال عنه، فقيل لنا : إنه قد ذهب لأداء مناسك العمرة ، والدعاء لأهل الدائرة فى الأراضى المقدسة .. فاذا عاد بدأت دورة جديدة ، وهكذا مرت الأيام دون أن نراه أو أن نسمع عنه !
لكن بعض الناس قالوا بأنهم قد رأوه ذات مرة فى التلفزيون فى اذاعة لإحدى جلسات المجلس، وكان منهمكاً فى النوم ! .. ومع انتهاء العمر الدستورى لمجلس الشعب واقتراب الانتخابات الدستورية، بدأ الرجل فى الظهور مرة أخرى ( وكأنه قد خلع طاقية الاخفاء من على رأسه )، فأصبح يشارك الناس فى المناسبات الاجتماعية ( الأفراح ، المآتم ، الأعياد ، ... ) ، وبدأت الشوارع تمتلئ بلافتات كبيرة تشوهها كلمات كثيرة ، مفادها أن ـ ابن دائرتكم البار ـ سيكون مرشحكم للانتخابات القادمة، وبدأ الرجل فى نشر الوعود مرة أخرى، وبدأ أنصاره فى توزيع هدايا وأقمشة قد اشتراها الرجل فى آخر رحلاته إلى أرض الحجاز ، وعندما سألناهم عنه ولما لم يحضر توزيع تلك الهدايا بنفسه ، قالوا : إنه قد ذهب لأداء مناسك عمرة جديدة ... حتى أعتقدنا أنه سيكون مرشحاً عن دائرة مكة المكرمة!