ماجد القاضى يكتب: مللتُ الحوار.. إلا بشروط!

الثلاثاء، 27 أبريل 2010 02:20 م
ماجد القاضى يكتب: مللتُ الحوار.. إلا بشروط!

منذ فترة طويلة توقفت عن دخول حوارات جدلية مع من يخالفوننى فكريا؛ ذلك أنى ما أردتُ يوما غير عرضَ وجهة نظرى أمام مستمعى ليقبلها أو يرفضها، وفى مقابل ذلك غالبا ما كنت أجد محاورى يسعى إلى هدف غير الذى إليه أسعى! فإما يريد قهرى على قبول رأيه، وإن لم يستطع فتسفيه رأيي، فإن لم يستطع فخلط الأوراق وتشعيب القضايا بما يحير المستمعين ويجعلهم يعرضون عن حديثنا!

وتساءلت فى نفسى عن الضوابط التى تفتقر إليها حواراتنا؛ ثم اجتهدتُ فى حصر بعض تلك الضوابط التى أشترطها على محاورى قبل أى حوار خلافي؛ وهى:

1- تحديد القضية أو الموضوع الذى سيدور حوله الحوار؛ حتى إذا اختلطت الأوراق وتداخلت سهل إعادة فرزها وتيسرت العودة للحديث الأصلى.
2- تحديد هدف الحوار الرئيسي؛ هل هو محاولة إقناع كل من الطرفين للطرف الآخر بوجهة نظره؟ أم المقاربة والجمع بين وجهتى النظر؟ أم عرض الرأيين أمام طرف ثالث ليختار ما يقتنع به (حتى لو لم يختر أحد الرأيين)؟
3- استهداف الوصول إلى الحق وليس إلى إثبات القناعة الشخصية أو ضحد الرأى الآخر؛ صحيح أن هذا من الأمور القلبية التى يصعب التيقن منها، لكن يمكن استنباطها من بعض الدلائل؛ وإلا فما رأيك فيمن بادرنى قبل بدء حوارنا بقوله: لتعلم قبل بدء حديثنا أنك لو حاورتنى من الآن إلى الغد فلن أغير رأيى الذى أقتنع به؟!
4- الاتفاق على مرجعية مشتركة فى النقاش؛ فمن العبث أن يحتكم صاحب فكر إسلامى إلى القرآن والسنة حال محاورته ليبراليا! أو أن يستشهد (إخوانى التوجه) بآراء مشايخه المحسوبين على حركته عند محاورته (سلفى التوجه)! أو أن يُستشهَد بآراء سياسى وقت مناقشة قضية اقتصادية!
5- الاستشهاد بالمعلومات الموثقة بدليل شرعى ثابت (إن كانت القضية تخص شأنا دينيا) أو بمصدر مختص محترم (إن كانت القضية تخص أحد العلوم الأخرى)؛ فلا نقبلها لمجرد أن فلانا الشهير قالها أو لكثرة انتشارها بين الناس، أو نرفضها لمجرد أن فلانا غير الشهير قالها، أو لقلة انتشارها بين الناس!
6- صِدْقُ كل طرف فى عرض الصورة كاملة؛ فلا يُظهِر الأمور الإيجابية فى رؤيته ويخفى السلبيات مثلا، أو يكتفى - فى قضية فقهية خلافية - بالاستشهاد بآراء العلماء المؤيدة لاختياره معرضا عن وجود آراء أخرى مخالفة؛ فهذا أسلوب غير أمين فى الطرح، وللأسف الشديد رأيت من يقوم بمثل هذا التصرف، فإذا سألتُه عن السبب تعلل بأنه يريد أن يصل بالمستمع إلى الحق دون أن يبلبل أفكاره بالسلبيات أو الآراء الأخرى! سبحان الله.. أليس هذا حَجْرا على فكر الآخرين، بل انتقاصا لعقولهم وامتهانا لحرية اختيارهم؟! فكيف نلوم أهل السياسة على تفكيرهم الميكيافيلى أو ممارساتهم البراجماتية إذن؟!
7- الاستدلال بالمعلومة الدقيقة (المبنية على أرقام وإحصاءات وحصر واستقراء) لا العامة الغامضة (القائمة على أقوال مرسلة)؛ فلا يجوز أن يقال: الإسلاميون كلهم إرهابيون! فمن أطلق مثل هذا الاتهام فليحدد أولا الإسلاميين المعنيين، ثم ليأتِ بحصر للحوادث الإرهابية التى ارتكبوها محددة بالأرقام ومن الوثائق الرسمية لا من مانشيتات الصحف..! كما لا يجوز أيضا أن يقال: المسئولون كلهم فاسدون أو الأثرياء كلهم لصوص، دون أدلة موثقة من مراكز رقابية رسمية أو محترمة..! وفى نفس السياق لا يجوز أن يطلق التعميم مثلاً بأن أهل بلد ما كلهم جهلاء، أو كلهم ظالمون؛ فقد تغلب صفة ما على أهل بلد أو جماعة أو فئة أو مهنة.. لكن لا يجوز إطلاق هذه الصفة على إنسان ما ابتداء لمجرد انتمائه لإحداها!
8- توحيد المفاهيم والمصطلحات؛ فكم من ساعات ضاعت بلا جدوى فى صراعات كلامية اكتشف طرفاها أن كلا منهما يقف فى حلبة غير التى يقف فيها الآخر! فحرى بطرفى الحوار أن يوضح كل منهما مقصده أولا، وأروع مثال يحضرنى فى هذا السياق هو أسلوب الإمام الشهيد (حسن البنا) عندما بَيَّنَ لمخالفيه مقصده من مصطلح (الوطنية) الذى تُتَّهم جماعته بأنها لا تعترف به؛ فتساءل إن كان المقصود بالوطنية (حب الوطن والحنين إليه) أو (المجاهدة من أجل عزة الوطن واستقلاله من المحتلين) أو (تقوية الروابط بين أفراد القطر الواحد) فكل ذلك مما حث عليه الإسلام، وذكر الأدلة على ذلك.. وبنفس هذا المنهج يمكنك - قبل بدء حوارك - توفير الوقت والجهد و تقليص عدد مخالفيك (إن لم تنقل بعضهم إلى فئة مؤيديك!).
9- التركيز على الأفكار دون أصحابها، والانشغال بنقدها لا تجريح أصحابها (أشخاصا كانوا أو جماعات أو هيئات).
10- تحديد وقت للحوار؛ فحتى فى حالة اعتماد كل تلك الشروط.. لا يمكن استمرار الحوار إلى ما لا نهاية!


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة