خالد صلاح

محمد الدسوقى رشدى

فى انتظار الحل الإلهى!

الخميس، 04 مارس 2010 01:05 م

إضافة تعليق
لن يحاسبنا الله على ذنوبنا فقط، فتلك آثام قادرة رحمته على أن تمحوها كما أخبرنا فى كتبه السماوية.. لن يحاسبنا الله على تقصيرنا ونفسنا الأمارة بالسوء، فتلك أشياء قد تبدو هينة إذا قارناها بذنبنا الأكبر، صغيرة أمام جريمتنا الأخطر، تلك التى حولت الدين إلى عدة نصب، أداة تلوى كل طائفة وكل تيار وكل فرد عنق أحكامها وفروضها وتفاصيلها لكى تحقق فى النهاية مكسبا دنيويا. الناس فى الشوارع يفعلون ذلك، وأهل الحكم فى قصور الرئاسة وخارجها ومعهم رجال المعارضة يجيدون اللعب بذلك، والمشايخ فوق المنابر والقساوسة داخل الكنائس لا يفلحون فى شىء إلا إذا لعبوا على ذلك الوتر.

إنه الدين يا سيدى.. لم يكتفوا بتحويله إلى مخدر يمررون من خلفه فظائع أعمالهم، بل جعلوه سببا يبرئهم من كوارث صنعوها بأيديهم، أصبحت السماء ملعبا مفتوحا لكل صاحب مصلحة، شماعة يعلق عليها الفاشلون فشلهم، والفاسدون فسادهم، وساحة تبرير يستخدمها الخبثاء لتمرير أغراضهم، كلما وقعت كارثة يخرج علينا الوزير الهمام ليؤكد فى خشوع وورع وتقوى أنه قضاء الله وقدره، رغم أنه بالأمس كان يتهم من يتكلم باسم الرب بالإرهاب، وكلما سقطت الكنيسة فى فخ المشاكل أظهرت العذراء فوق صلبان إحدى الكنائس لينشغل الشعب القبطى بالنور الإلهى والحمائم البيضاء ويترك الكنيسة تعوم فى مشاكلها بصمت، وكلما أرادت الحكومة أن تضحك على الناس وتمتص غضبهم تخرج عليهم بعمة أزهرية تحدثهم عن الأجر والثواب الذى يحصل عليه من يتبع ولى الأمر، حتى لاعب الكرة الذى يخسر المباراة لا يعترف بسوء مستواه، ولم يعد يعلق خسارته على شماعة التحكيم لأنها موضة قديمة ومفقوسة، وبالتالى لا يوجد بالنسبة له أفضل من السماء كشماعة ليقول لك إن التوفيق قد غاب عنه وأن الله لم يرد لفريقه المكسب اليوم.. ما علاقة الله الذى قال سبحانه وتعالى «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون»، والذى دعانا للأخذ بالأسباب وطرق النصر وقضاء الحاجةـ بكل ذلك الفشل..

هل هانت السماء علينا إلى هذه الدرجة لكى نستغلها ونستخدمها للتغطية على فظائع أعمالنا؟ ..هل هانت السماء علينا إلى هذه الدرجة التى تدفعنا لاستخدامها كسلاح ترهيب أو ترغيب يغطى على فسادنا وذنوبنا؟

الأحداث وحدها تؤكد ذلك، فقد اشتركنا كلنا شعبا وحكومة ورئيسا ومعارضة ورجال دين مسلمين ومسيحين فى تحويل الدين إلى أداة، إذا حدثت كارثة نقول إن الله أراد ذلك دون أن نبحث فى أسبابها، وإن أردنا أن نمرر شيئا بلا شرعية نبحث له عن مخرج دينى حتى ولو اضطررنا إلى إظهار العذراء فوق صلبان كنيسة الوراق أو الادعاء بأنهم اكتشفوا شجرة فى غابة كثيفة على هيئة محمد رسول الله، أو طفل صغير تكلم بعد أن نزل من بطن أمه مباشرة قائلا: لا إله إلا الله.. إنها نظريات الحل الإلهى ياسيدى تلك التى تستخدمها الحكومة لتبرير فشلها وإخضاع الناس لها ويستخدمها الناس لتبرير كسلهم وصمتهم على الباطل، ويستخدمها رجال الدين فى المساجد والكنائس للسيطرة على الشارع، ويضعف أصحاب العقول أمامها ويعجزون عن مواجهتها خوفا من تهم التكفير رغم أنها السلاح الأخطر على الدولة المدنية التى يسعى خلفها كل عاقل.

إنهم ينتظرون المخلص السماوى، وماحدث مع العذراء يؤكد ذلك، لا يريد أحد على أرض مصر أن يتحرك لحل مشكلته، هم فقط يبحثون عن الحلول السماوية.. قديس ينقذهم من نار الأسعار، أو مخلص ترسله لهم السماء لينقذهم من براثن حكم لا يريدونه، فنحن فى قضية الإصلاح السياسى نريد للسماء أن تأتى هى لنا بالحل بينما نحن جالسون، تسأل أحدهم عن دوره فى مسيرة الإصلاح يقول لما ربنا يسهل، تسأله متى ينتفض هذا الشعب يؤكد لك أن الحل لدى السماء.. هى التى تملك حق راحتنا، ويدعوها بأن تأخذ كل مسئول غير مرغوب فيه، وكأن رحيل ظالم يعنى اختفاء الظالمين من بعده.

فى الأزمة الاقتصادية التى ضربت العالم مؤخرا سيطرت نظريات الحل الإلهى على الموقف تماما، ليظهر معها الوجه القبيح للتخلف الذى نعيش فيه، ففى الوقت الذى كانت فيه بلدان العالم تسارع لتجاوز آثار الأزمة الاقتصادية بخطط جديدة ودراسات متطورة تسعى لتجنب مخاطر الأزمة الآن وفى المستقبل، كنا هنا فى مصر وفى الوطن العربى نرفع راية الشماتة، ونعتبر أن الانهيار الاقتصادى الذى حدث هو دليل على صحة موقف الإسلام، وكأن الإسلام كان يحتاج إلى شهادة اعتراف، بل سارع الجميع لاستخدام نظرية الحل الإلهى حينما فسروا الأزمة بشكل دينى وأكدوا أن حلها يكمن فى الاقتصاد الإسلامى، فيخرج علينا الدكتور زغلول النجار ليؤكد وبثقة أن ما يشهده العالم من أزمة مالية طاحنة هو بداية انهيار النظام الغربى بأكمله ويدعو إلى إقامة المؤسسات الاقتصادية على أسس إسلامية صحيحة.. قائلا:«هذا الذى نراه هو حرب من الله ورسوله ولا يمكن لعاقل أن يتخيل إمكانية الصمود فى حرب من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم».

وأعاد تفسير آية «ويمحق الله الربا» قائلا: "المحق يعنى الإبادة ونرى هذه الإبادة أمرا واقعا الآن.. فالكثير من الناس ينتحرون أو يصابون بأمراض مستعصية نتيجة للخسائر الفادحة التى يواجهونها فى البورصات العالمية فى كل ساعة... ".

الدكتور زغلول النجار لم يكن وحده، فقد أكد كلامه شيخ الأزهر الدكتور طنطاوى حينما استخدم هو الآخر نظرية الحل الإلهى وأجزم على أن حل هذه الكارثة لن يتم سوى بالعودة إلى الاقتصاد الإسلامى.

هل تتذكر كارثة الدويقة وكيف علقت الحكومة فشلها وفسادها على شماعة السماء، فى تلك الأزمة ظهرت نظريات الحل الإلهى فى أقبح صورها، حينما حاول السادة الوزراء والمسئولون أن يحملوا السماء وقضاءها وقدرها ذنب الضحايا الذين سحقتهم صخور الجبل، فتجاوز محافظ القاهرة عن مسئوليته عن أحوال الدويقة وتجاهله لشكاوى مواطنيها وقال فى حوار لجريدة الأهرام بتاريخ 12 سبتمبر2008 وكأنه الذئب البرىء من دم ابن يعقوب: (القدر.. سبقنا بخطوة)، ثم جاء السيد وزير الإسكان أحمد المغربى وتهرب من مسئولية وزارته وفشلها فى تجهيز أماكن بديلة لهؤلاء الغلابة وقال إن ماحدث قضاء وقدر ولا مسئولية للحكومة فى ذلك، بل حاول أن يرهب نواب مجلس الشعب الذين ثاروا واتهموا الحكومة بإهمال سكان العشوائيات حينما رد عليهم قائلا: "حسبى الله ونعم الوكيل فى من لا يؤمن بالقضاء والقدر"، هل رأيت وزيرا مؤمنا بهذا الشكل من قبل؟!

هل رأيت كيف تحول الدين بين أيدينا إلى لعبة؟ هل رأيت كيف نضحك على أنفسنا ونعتبر استخدامنا للدين على هذا الشكل بأننا شعب متدين ومحترم؟ إن الخطورة الكامنة فى التعامل مع الدين بهذا الشكل لا تتوقف فقط عند عملية التزوير ولا تتوقف فقط عند فكرة ضياع الدين من القلوب وانتقاله لخدمة الجيوب أو كراسى السلطة.. الفكرة الأخطر توجد هناك فى تلك المنطقة التى تكرس لدين آخر غير الدين الذى جاءت به السماء، دين على هوى كل تيار ومزاج كل طائفة ودماغ كل صاحب مصلحة، دين يعود بنا إلى عصور الفقيه وسيطرة العمة والكنيسة، دين يتحدى كل تقدم ويغذى كل خرافة، ويقف أمام أى محاولة لخلق دولة مدنية قوية، قادرة على الصمود والتقدم. فهل يدرك هؤلاء أنهم يدفنوننا نحن وتعاليم ديننا الصحيحة أحياء؟
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة