محمد رفعت

ثقافة العبط والاستهبال

الأحد، 07 فبراير 2010 07:14 م


أكثر ما يستفزنى فى كلام العائدين من أوروبا وأمريكا والدول المتقدمة هو عقد المقارنات بيننا وبينهم، وتسميم أبداننا بالحديث عن نظافة شوارعهم وسيولة مرورهم، وتحضر سلوكهم، وتفوقهم وتقدمهم أمام خيبتنا الثقيلة وشوارعنا "المهربدة" وأخلاقنا "السوفاج" وفسادنا وتخلفنا، وكأن من يتحدث لم يعد منا، أو كأنه أصبح منهم لمجرد أنه عاش طويلاًً أو قليلاً بينهم.. أو كأنه يعايرنا بفقرنا وجهلنا وهواننا على أنفسنا وعلى الناس.. أو كأنه من طينة وعجينة أخرى غيرنا.. ويستفزنى أكثر حين يكون هذا الشخص المتحاذق هو نفسه أحد الأدلة على غياب الإنصاف والعدالة فى بلدنا، كأن يكون النقيب خاله، وهو الذى أتاح له هذه السفرية فى بعثة دراسية أو منحة حكومية، أو حقيبة دبلوماسية.. ويستفزنى أكثر وأكثر حين يكون هذا المتحدث عن حلاوة بلادهم وقذارة بلادنا أحد المسئولين فى الحكومة، ولا تتعجبوا، فهذا يحدث أحياناً، وقد شاهدت بنفسى منذ أيام فى أحد برامج "التوك شو" مسئولاً كبيراً بوزارة السياحة وهو يبدى اندهاشه من قلة عدد السياح إلى مصر بكل إمكاناتها السياحية وتاريخها وآثارها وشمسها ونيلها، أمام دولة مثل أسبانيا يبلغ عدد زوارها الأجانب سنويا ً ما يقرب من عدد السكان، وقال إن دخلها من السياحة يكفيها ويزيد، وإن كل سائح ينفق على مواطن أسبانى.. وتساءل فى نهاية كلامه.. فهل هم يصنعون من الفسيخ شربات، ونحن نصنع من الشربات فسيخاًً ؟!.. خدبالك.. هو الذى يتساءل وهو المسئول الكبير فى وزارة السياحة، وطبعاً لم أعرف لمن يوجه هذا السؤال.. وهل المطلوب منى أنا كمشاهد أو كمواطن أن أجيبه، وهو المسئول السياحى عن أسباب قلة عدد السياح إلى بلدنا بالمقارنة بدولة مثل أسبانيا أو تركيا أو حتى تونس.. وبصراحة فهذا هو قمة الاستعباط أو التغابى، والحقيقة أن هذا السلوك "الاستهبالى" تحول إلى موضة فى الفترة الأخيرة، حيث تجد مسئولا ًكبيرا ً آخر فى الدولة يقف فى مجلس الشعب ليقول إن الفساد فى المحليات أصبح للركب، وكأننا نحن الشعب، وليسوا هم، المسئولون عن هذا الفساد، أو تسمع وزيراً يعترف بأن الرشوة هى سيدة الأخلاق فى المصالح الحكومية، أو موظفا ً كبيرا ً فى وزارة الصحة يصرح للصحف بأنه لا مواصفات قياسية فى أى مستلزمات طبية ترد إلى الوزارة وتسمح بطرحها فى الأسواق، أو مسئول آخر مهم فى الحزب الحاكم يهاجم الحكومة فى البرلمان أو على إحدى الفضائيات، وكأنه لا يعرف، أنها حكومة الحزب، وهو واحد فى حزب الحكومة .. وتنشر جريدة معارضة أو خاصة أن هذا الموظف الكبير فاسد فلا تحقق أى جهة فى الموضوع، ولا يحاسب أحد الصحفى الذى اتهمه إذا ثبت أنه كاذب، ولا يحاسب أحد المسئول إذا تبين أنه فاسد، فالحكومة تفعل ماتريد والناس تقول ما تريد، وهكذا يختلط الحبل بالنابل ويدخل "أبو قرش على أبو قرشين" ويتوه الناس، فالشعب لايصدق الحكومة، والمسئولون لا يعيرون اهتماماً للشعب.. ومن يفتح عليه الله بالسفر إلى الخارج سواء إلى دولة عربية أو إلى أوروبا والدول المتقدمة يعود ليتغنى بالنظافة التى يعيش فيها ويتأفف من الحالة التى نعيش فيها !!.

* نائب رئيس تحرير مجلة اكتوبر


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة