أزمة أنابيب الغاز تفجر من جديد قضية الدعم الذى لا يذهب لمستحقيه، والأموال الطائلة التى تتكبدها الدولة للحفاظ على أسعار السلع الرئيسية فى مستوى أصحاب الدخل المحدود، فتتسرب إلى تجار السوق السوداء، وشلل المنتفعين ومصاصى دماء الغلابة وثروات الوطن.. والملف الذى نفتحه ونغلقه كل عدة سنوات دون أن نصل فيه إلى حل أو قرار، لا يزال يخرج لنا لسانه، ويظهر مدى عجزنا شعبا ً وحكومة وإعلاما ً ومثقفين وأكاديميين وخبراء وناشطين سياسيين عن تقرير مصيرنا وتسيير أمورنا والتوصل إلى حل عادل وشامل لأهم وأخطر مشكلاتنا وسبب بلاوينا والسر فى تخلفنا وفقرنا ومعاناتنا وهواننا على أنفسنا وعلى الناس، وأقصد طبعا ً الفساد، هذا الغول الذى يأكل خيرنا أو يعطيه لغيرنا أو يمنحه لفئة محدودة ومستغلة منا دونا ً وغصبا ً عنا .. الفساد الذى عم البر والبحر واستشرى فى الجو، وتحول إلى أخطبوط ووحش مخيف لا نعرف له رأسا ً من قدم، ولا أول من آخر،، الفساد الذى يتسع ويتضخم ويتوغل وينتشر وينخر فى عظامنا ويهدد مستقبلنا ومستقبل أولادنا .. الفساد الذى هو عنوان هذه الأزمة، وأى أزمة أخرى، بداية من الغذاء المسرطن، والماء الملوث، والدم الفاسد، والأبنية الهشة، و القوت المسروق، والتعليم المنهار، والإعلام المزيف، والصحف المدلسة، والضمائر المدنسة .. الفساد وليس الفقر أو ضعف الموارد أو الأزمة العالمية أو المؤامرات الدولية أو العدو القريب والبعيد هو سبب كل ما نحن فيه من إحساس بالقهر والذل والاحباط والانسحاق أمام الآخر أياً ما كان قدره أو جنسيته .. الفساد هو الذى يجعلنا لا نثق فى الحكومة حين تقول لنا إنها ستجعل الدعم نقديا ً حتى يصل إلى مستحقيه، وهو الذى جعلنا نشك فى وزير الصحة حين شاهدناه ومسئولين آخرين يتناول طُعم الانفلونزا على شاشات التليفزيون، فامتنعنا عن تطعيم أولادنا، الفساد هو الذى يجعلنا لا نعبأ باستخراج بطاقات انتخابية ولا نشارك فى أى انتخابات لأننا نعرف أنها ستكون بالضرورة صورية أو مزورة، والفساد هو الذى يجعلنا نشك فى أى نصر أو إنجاز حتى ولو كان فى مهرجان فنى أو مباراة لكرة القدم .. والفساد هو الذى جعلنا نتسابق جميعا ً فى رقصة أنانية جماعية، لنحصل على قطعة من " تورتة " الاستثناءات والامتيازات، أو حفنة من المال السايب، وجعل كل مصرى يضع يده فى جيب الآخر حتى يستطيع أن يبقى ويعيش بالحد الأدنى أو الأقصى، المهم أن يعيش ويعول أسرته، ولو على حساب الوطن أو المبادئ أو حتى الدين، فالدين عندنا فى المساجد فقط، وفى الحج والعمرة و" السبحة "، ولا علاقة له بالمعاملة أو بالواقع، ولا تعارض إطلاقا ً عند الكثيرين بين أن تكون مرتشياً أو كاذبا ً أو منافقا ً أو فهلويا ً أو قليل الذمة، وبين أن تكون متدينا ً، والمهم الشكل والطقوس وكلام الناس، والتطلعات زادت والطمع أصبح سيد الموقف، والأوراق اختلطت، والحلال لم يعد بينا ً والحرام كذلك، والسبب الفساد وصوره وأشكاله وأنماطه وشخوصه الذين يطاردوننا فى كل مكان ويغروننا بأن نفسد ونظلم ونسحق قبل أن نداس ونُظلم وننسحق .. ولا أمل فى هذا البلد ولامستقبل لنا ولا له، إلا إذا قررنا فى صحوة ضمير جماعية أن نقضى على الفساد ورموزه ودوائره قبل أن يقضوا علينا !.
* نائب رئيس تحرير مجلة اكتوبر