على طريقة 3 أفلام فى بروجرام واحد، حيث تبقى المناظر وتذهب قصة الفيلم وأهدافه إلى الجحيم، قمنا بتحويل حدث فوز المنتخب ببطولة كأس الأمم الأفريقية إلى مجرد مناظر بعد أن أفرغنا حكايات التكريم الجميلة من المضمون، والمناظر التى أقصدها هى لافتات الشوارع التى ستزينها أسماء أبطال المنتخب الذى أكن لإنجازه كل التقدير، هذه المناظر تم إنتاجها فى محافظات المنيا والغربية والإسماعيلية والبقية ستأتى.
لقد بدأت الإسماعيلية التقليد بإطلاق اسم اللاعب حمص على الشارع الذى نشأ فيه بالمحافظة بعد هدفه فى مرمى إيطاليا العام الماضى، وهكذا تحول شارع المدارس إلى محمد حمص بإجماع آراء المجلس المحلى ــ والمغزى فى الفارق بين الاسمين عميق ــ وعقب الفوز بكأس الأمم الأفريقية أعلن محافظ المنيا أنه سيتم إطلاق أسماء أحمد حسن وحمادة صدقى وأحمد رءوف ومعتصم سالم،على شوارع بمدن مختلفة بالمحافظة، وهو نفس ما فعله محافظ الغربية الذى قرر إطلاق أسماء لاعبى المحافظة على الشوارع الرئيسية بمدن طنطا وقطور وبسيون والمحلة الكبرى.
تلك اللافتات التى جاءت استثمارا لموسم الإثارة الكروية، فى غير مكانها وخارج ما يجب أن يكون عليه السياق، فقد حولت التكريم إلى رصد لواقع شديد التدنى ودليل سقوط لمعنى التفوق، وصعود للرموز البديلة على طريقة "إحنا مع الرايجة".
لقد حصد لاعبو المنتخب بطولة غالية واحتفظوا بالكأس إلى الأبد وحصدوا المكافآت بالملايين والزغاريد والأفراح والليالى الملاح وعروض الاحتراف، وهم جيل ملتزم وخلوق، كلها أشياء جميلة فى حدود أنها لعبة رياضية، وأنها ليست المرة الأولى أو الثالثة التى نحصل فيها على كأس الأمم الأفريقية، فهل قدمنا ما نقدمه اليوم للمنتخب إلى غيره ذات يوم؟
فعلى سبيل المثال لا الحصر، فى مجال البطولات الرياضية، سنجد أن فريق مصر لكرة القدم الذى تأهل لكأس العالم لم يطلق اسم أحد لاعبيه على شارع بما فى ذلك مجدى عبد الغنى صاحب هدف استاد باليرمو الشهير، وهناك أبطال حصدوا لمصر بطولات عالم دون أن تعرض على أحدهم غرفة فوق سطوح أو عجلة وليس شقة أو سيارة..
لقد كان كرم جابر المصارع المصرى الذى حصل على ذهبية دورة الألعاب الأوليمبية فى أثينا يتسول علاجا لإصاباته فى التمرين ويتسول مصروف جيب قدره 25 جنيها أثناء تواجده فى المعسكر التدريبى، وأصبح يمارس ألعابا استعراضية فى الخارج تهين مصر وتمثل خطورة على حياته للحصول على المال، وهل عاد أحد يذكر نجم الجودو محمد رشوان صاحب الواحد وثلاثين ميدالية، من بينها ثلاث عشرة ذهبية حصل عليها فى بطولات العالم المفتوحة إضافة إلى فضيات دورة الألعاب الأوليمبية لوس أنجلوس فى الوزن المفتوح عام 1984 وبطولة العالم فى الوزن المفتوح عام 1985 وبطولة العالم فى الوزن الثقيل عام 1985 وبطولة العالم فى الوزن الثقيل عام 1987، هل هناك شارع باسم رانيا علوانى أول سباحة مصرية وعربية وأفريقية تحصل على ميداليتين ذهبيتين فى السباحة على مدى تاريخ دورات البحر المتوسط بالإضافة إلى فوزها بـ 77 ميدالية على المستوى الدولى والأفريقى والعربى وتصنيفها ضمن أفضل 11 سباحة على مستوى العالم فى سباق 100 متر، وغيرهم، وغيرهم..
أما فى مجالات الطب والفلك والفنون، فهل تكرمنا بشارع أو بحارة أو حتى زقاق على اسم الدكتور العلامة ذهنى فراج أو مجدى يعقوب أو النشائى، وإن كنا قد فعلنا فهل فعلناها فى السر دون ضجيج إعلامى أو إعلاء من قيمة الرموز، هل تكرمنا بشىء من هذا على عالمنا الكبير فاروق الباز الذى أطلق أحد المستثمرين اسمه على أحد شوارع مدينته فى مبادرة شخصية، إلى آخر الأسماء التى لا يمكن أن يتسع المجال لذكرها.
ألم أقل إن التكريم تحول إلى مناظر وغابت القصة؟ لن أقول إننى ضد أن يكون لاعب كرة القدم قدوة يحتذى بها، لكننى ضد المغالاة وعدم وضع الأمور فى نصابها، ضد أن نكيل بمكيالين ونتناسى الرموز ونضيع الأبطال ونقتل النابهين كما فعلنا ذات يوم بالشاب المتفوق عبد الحميد شتا الذى انتحر لأن السلك الدبلوماسى رفض قبوله لأنه غير لائق اجتماعيا، ضد أن يستثمر حدث رياضى بما يفسد جماله ويدمر نفسية القابعين فى المعامل وفى قاعات العلم والدرس وحتى الأبطال الرياضيين الذين حققوا إنجازات أكبر وأهم، ضد أن يكون هذا الاستثمار لأى سبب من الأسباب سواء لكسب الشعبية للمحافظين أو لغير ذلك، ضد أن نتوه عن قيمة الرمز ومعناه وننسى "بمزاجنا" أبطالا صامتين ونحصر العطايا والهبات فى انتصارات كرة القدم، أن نستبعد من ذاكرة الأجيال مبدعين وفنانين وعلماء وشهداء ونتصور خطأ أنه لا حاجة لنا أو للشوارع بهم.
كاتبة مصرية *