خالد صلاح

أكرم القصاص

الإخوان والشيطان

الجمعة، 12 فبراير 2010 01:34 م

إضافة تعليق
من الصعب على أى شخص أن يستطيع تفسير السلوك الحكومى الذى يتبع مع جماعة الإخوان المسلمين. كل فترة نشاهد حملة اعتقالات غير مبررة وبلا أى سند من قانون أو دستور، وهذه الحملات فى الواقع تتكرر بصورة هزلية.

ومن الصعب تقبل فكرة أن عصام العريان يستعد لقلب نظام الحكم بالقوة، أو إقامة دولة دينية، وهى حجج لا تقنع أحدا بمن فيهم أنصار الدولة المدنية والمختلفين مع الإخوان.ونظن أن هذه الاعتقالات والحملات العمياء هى لشغل الوقت، وتخفى خوفا لدى الحزب الوطنى من المنافسة فى الانتخابات.

لقد تم اعتقال الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح من قبل والتحقيق معه بنفس التهم، ثم خرج لأنهم لم يستطيعوا حبك الاتهامات. وهاهم يجمعون بين محمود عزت وعصام العريان، فى اتهامات لم يقدموا عليها دليلا واحدا متسقا، بل كلاما مرسلا ومطاطيا ومضحكا لا يقنع الذين يفعلونه.

ثم إن هذه الاعتقالات التى تتم فى ظل الطوارئ، تضر بالدولة المدنية وتمثل اعتداء على الدستور، وهذا النظام يكرر نفس التصرفات بنفس الطريقة بلا أى تعلم. لم يقتنع أحد بمحاكمة عسكرية لخيرت الشاطر وغيره، لأنها محاكمة استثنائية يرفضها كل صاحب ضمير، ولم يقتنع عندما قالوا إن الشاطر ينتمى لتيار الصقور، لأنهم اعتقلوا عبد المنعم أبو الفتوح ويعتقلون عصام العريان، وهما من الحمائم القابلين للدخول فى حوار. ثم إننا رأينا ما يجرى فى مكتب الإرشاد وكيف كشف عن تناقضات وخلافات بشرية.

بل إن أى مختلف مع الإخوان لا يمكنه الإقرار باستمرار إجراءات استثنائية ضدهم، بل ويمكن للعاقل أن يكتشف إلى أى مدى تظهر هذه الحملات الجماعة فى صورة المظلوم، بينما تظهر عجز النظام والحزب الوطنى بكل إمكانات التسلط عن إقناع المواطنين بوجودهم، هذه السلوكيات هى التى تضرب الدولة المدنية، وتسحب حقوق المواطنة. الأصل هو فشل النظام والحزب الوطنى، والشيطان هو التسلط والفساد وليس أى جماعة تسعى للمشاركة فى الحكم.

قبل سنوات طويلة كتبت عن حملة اعتقالات مشابهة، ووجدنا كيف لا يتعلم النظام من الدروس، قلت يومها إن كل هذا الخوف والذعر من الإخوان مرجعه أنه لا يوجد نظام سياسى متسق مع ذاته. وربما كان الحل فى أن يصلوا إلى الحكم، عندها يمكن للناس أن تكتشف مدى قدرتهم على طرح برنامج عمل وليس مجرد أفكار نظرية.

والتيارات المحجوبة تحظى بالتأييد، وحتى وصولها للحكم، كان الحكم إلى واقع عملى عندما يخرجون إلى النور التام ويتعاملون مع الواقع ومع المشكلات، يطرحون مشروعهم لحكومة، وتصورهم لمؤسسات، عندها يمكن للناس أن تعرف إذا كانت صوتت صوابا أم خطأ. أما استمرار الحظر فهو يمنح المحظور جاذبية المحظورات. والتصويت الخاطئ جزء من الديمقراطية لأنه تصويت لبشر وليس لعقيدة.

الرد الجاهز على ذلك هو الخوف من أن يصادر الإخوان الوسيلة التى صعدوا بها، وهذا الخوف مرده أن نظام الحكم مع الحزب الوطنى والتركيبة المتسلطة الفردية التى تدور حول الرئيس، ظلت تعمل ضمن نظام سياسى على مقاس شخص، وحوله جماعة منتفعين تسمى حزبا، فشل فى الوصول إلى مشروع ديمقراطى يملك عناصر استمراره، أو وضع ضمانات تداول سلمى للسلطة، ولو كان فعل لوفرت على نفسه وعلى الدولة إمكانية السقوط فى أيدى مغامرة أو متطرفة.

أضاع هذا النظام طوال 28 عاما كافة الفرص لبناء نظام يحافظ على نفسه، وانتهى به المطاف إلى نظام يخلو من ملامح التطور الحديث، ولهذا يخاف من أى عابر ويحاول التخويف من الإخوان بأنهم سيهدمون الأساس الذى صعدوا عليه، وهو دليل على أن النظام أفسد أسس الدولة وعزل كافة الشروط التى تضمن الحفاظ على التطور.

يمكن شراء مقاعد البرلمان، وشراء السلطة بسهولة من قبل المغامرين، الأمر الذى يجعل الانقلاب بالمال أو الخداع واردا. الديمقراطية تقوم على المؤسسات والناس عندما تشعر بالاستقرار والمشاركة تحمى النظام، لأنها تحمى مصالحها. أما النظام الهش فهو يخاف من الحرية ومن أى عابر. النظام استند إلى الأمن فقط، والتسلط والطوارئ، وسرعان ما اتضح تهافته وضعفه. وفشل فى إقامة اقتصاد حر، وانتهى الأمر للفساد، وغامر بأموال الشعب.

كان من الممكن أن يقيم نظاما للمواطنة، لكنه طوال ربع قرن لم يفعل، ويزعم الآن أنه سيفعل، ولا أحد يصدق. ثم يحاول استخدام فزاعة الإخوان بعد أن عزل الشعب، وأحال الأغلبية إلى أقلية. لو كان النظام يقوم على بناء حقيقى للدولة والمؤسسات والفصل بين السلطات، ما كان كل هذا التخويف من أن تأتى جماعة لتحرق القوارب التى أوصلتها للحكم، النظام حرص على أن يستمر يوما بيوم، أضعف كل العناصر التى تقوم عليها الدولة المدنية الحديثة، لم تقم أحزاب ولا تيارات تعبر عن المجتمع.

نظام صنع فراغا عجز عن ملئه، ويرفض أن يملأه غيره، يخاف من نفسه ومن ظله ومن أشباح هو أول من ساعدها بتسلطه وفساده. صادر كل الفرص. وأصبح سجينا للتسلط. والمدهش أن نرى من يدافع عن تسلط قائم، خوفا من تسلط محتمل.. هو نفسه نتيجة وليس سببا. الشيطان هو التسلط، والطوارئ، والفساد، لأنه هو الانقلاب على الدولة المدنية.
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة