قالو قديما إن جحا أولى بلحم ثوره، أما الآن وجحا يعانى من العديد من المشكلات ولا يوفر قوت يومه إلا بالكاد، ومعظم أبنائه يعانون من الفقر والبطالة، ويسكنون العشوائيات، وتسقط المبانى البالية فوق رؤوسهم فى كل يوم، ويهربون من جحيم الفقر ليهيموا فى بلاد الله أو أن تلتهمهم حوادث الطرق، فمن المؤكد أن جحا أولى بلحم ثوره وجلد ثوره وعظم ثوره وكل ذرة من ثوره كى يوفرها لنفسه ولأبنائه.
ولكن جحا فعل مثلما فعل شيخ البلد قديماً فى القرى والنجوع حين كان يقيم الولائم ويفرد الموائد للأغراب، يأكلون ما يشتهون بينما يقف أبناؤه عن بعد يشتهون الطعام ولا يأكلون ويكتفون بمصمصة أصابعهم أو أن يأكلوا ما تبقى على المائدة من الضيوف إذا تركوا شيئا.
ومثلما فعل جحا وفعل شيخ البلد نجد أن هذا السيناريو الوراثى يتكرر الآن ولكن بحيثيات مختلفة، فمصر الآن تبيع شركات القطاع العام للأجانب، كعمر أفندى وغيره من الشركات الكبرى التى كانت توفر السلع والأقمشة والملبوسات بأسعار معقولة، فيقوم المشترى الجديد بإغراق الأسواق بالسلع المستوردة، وخاصة المستوردة من الصين بينما أبناؤنا لا يجدون الكساء وإنتاجنا لا يكاد يرى النور، فالمنافسة باتت صعبة جدا بين المنتج المصرى المرتفع التكاليف، والمنتج الصينى الرخيص الذى يغرق الأسواق حتى وإن كان رديئا ولكن المستوى الاجتماعى للشريحة العريضة من المصريين لم يعد يسمح لهم بالاختيار بين الجودة والسعر، وإنما فرض عليهم أن يشتروا الأرخص لأنهم لا يملكون إلا ثمنه.
ومن جانب آخر تطالعنا الصحافة الإسرائيلية بين الحين والآخر، بأخبار عن صفقات لبيع الغاز الطبيعى من مصر إلى إسرائيل والأردن وغيرهم من الدول بسعر زهيد، فى حين أن إنتاج مصر من الغاز لا يكفى الاستهلاك، ولذلك تضطر مصر إلى استيراد الفارق من دول أخرى بسعر مرتفع، وطبعاً تتحمل مصر هذه الخسارة، نظراً لالتزامها السياسى بضمان الوفاء بالتزامات التصدير.
ولا تعلن مصر عن مثل هذه الصفقات بينما تتناولها الصحف الإسرائيلية بمنتهى الفخر والفرح، وكأنهم يخرجون ألسنتهم للشعب المصرى الذى كاد يموت فقراً وقهراً وغيظاً، فالمواطن الذى أصبح حاله يصعب على الكافر لم يعد يصعب على حكومته أبداً، فتخيلوا كم الكبت الذى يصاب به المواطن المسكين بعد قراءة هذه الأخبار، وهو لا يرى الغاز هذا، فلم يدخل الغاز الطبيعى إلا لنسبة محدودة من المنازل على مستوى الجمهورية لا تتعدى الـ22% من المنازل، بينما لا تزال الـ88% الباقية تستخدم أسطوانات البوتجاز التى تواصل ارتفاع أسعارها كل يوم، ناهيك عن العبقرية المصرية الفذة التى تنظر ربط توزيعها ببطاقات التموين بصرف النظر عن أن الأغلبية العظمى من الأسر لا تمتلك بطاقة التموين هذه.
وأظن أن معدلات الوفيات ستزيد بنسبة كبيرة فى الأيام المقبلة ليس لأى أسباب صحية ولا سرطان ولا التهاب كبدى ولا حوادث طرق، وإنما الموت غيظاً وقهراً وكمداً حينما يدفع المواطن 48 جنيهاً ثمناً لأسطوانة الغاز التى تنعم بها إسرائيل، بل تصدرها للخارج بأعلى الأسعار، بينما تحتفظ هى باحتياطى الغاز الخاص بها الذى لن تقربه إلا بعد نفاذ الغاز المصرى.
ولذلك فمن المؤكد أن الأطباء سوف يمنعون مرضى الضغط والسكر والقلب من قراءة الصحف، كما يمنعونهم من النزول للأسواق ووضع الملح فى الطعام وتناول المشروبات الغازية. وأصبحت الآن لا أخشى شيئا إلا أن تتأزم حالة الحكومة المصرية أكثر من ذلك فيلجأون لبيع المواطنين جملة وقطاعى لتخفيف الأحمال أو للوفاء بمتطلبات أو التزامات أخرى تكون قد تورطت فيها، ولا نعلمها نحن وطبعاً سيوافق مجلس الوطنى الجديد على القرار لأن الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا وعلينا طاعة أولى الأمر، ولكن أرجوكم ألا تبيعونا لإسرائيل لأن معظم الشعب المصرى يكره إسرائيل متضامنا مع شعبان عبد الرحيم.
عمرأفندى