خالد صلاح

محمد الدسوقى رشدى

الكفار يمتنعون!

الأربعاء، 29 ديسمبر 2010 11:51 ص

إضافة تعليق
هل تذكرون تلك الصورة السينمائية التى امتلأت بها أفلام الأبيض والأسود أو تخيلناها أثناء قراءة سطور الروايات والكتب القديمة أو بناءً على حكاوى الأجداد عن الأعداء؟!.. هل تذكرون تلك المشاهد الدرامية التى تنقل لنا صورة قبو معتم، أو قاعة شبه مظلمة طريق الوصول إليها عبر مجموعة من السراديب يتوسطها منضدة دائرية يجلس حولها مجموعة أشخاص من أصحاب الحواجب الكثيفة والملامح الجامدة يتهامسون ويتجادلون لوضع خطة شريرة، وفى النهاية ترتفع ضحكاتهم التى تنتمى لفئة القهقهقة الممزوجة بالشماتة معلنة إنتهاء تفاصيل المؤامرة.

هذا بالضبط ما كنا نشاهده فى الأفلام أو نقرأه فى الروايات والكتب التى تتحدث عن نظرية المؤامرة وتروج لها، وهذا بالضبط ما خفت حدة الحديث عنه فى السنوات الأخيرة، فلم نعد نشاهده فى الأفلام أو نقرأه بنفس الكثافة التى كان عليها فى الصحف والكتب والروايات، فى تطور يوحى بأن فريق الكفار بنظرية المؤامرة قد انتصر أخيراً على فريق المؤمنين بها أو المهوسين بها إن شئنا الدقة، فهكذا كان حال نظرية المؤامرة منذ قديم الزمن أرض لمعركة بين طرفين أحدهما مهووس بها ويروج بها، بل يطبقها على كل شىء لدرجة أنه قد يشك فى أن نفسه تتآمر عليه، والثانى يرى فى نظرية المؤامرة نوعاً من أنواع الدجل السياسى الذى يتم استخدامه للتلاعب بأحلام ومخاوف ومشاعر البسطاء، وفى نفس الوقت يرى فى نظرية المؤامرة الملجأ السهل لمحبى الشعور بالاضطهاد والمنهزمين دائما وفاقدى القدرة على المواجهة، وربما التبرير الأخير يفسر لك سر انتشار ثقافة نظرية المؤامرة فى المنطقة العربية تحديداً.

تلاشى الانتشار الواضح لنظرية المؤامرة فى الفترة الأخيرة قد يعنى لك انتصاراً للفريق الكافر بها، ولكنه فى الحقيقة يأتى انعكاساً لعصر العوالم المفتوحة والأرض التى أنار الإعلام الكثير من أجزائها الغامضة، وبالتالى فقدت نظرية المؤامرة المصدر الرئيسى لتغذيتها وهو الغموض، ولكن هل يقتل نور المعرفة والاطلاع على الأحداث ومجريات الأمور فكرة نظرية المؤامرة تماما؟ هل يكفى نشر العديد من الأسرار وكشف العديد من التفاصيل لوأد نظرية المؤامرة تماما طالما ظل الإعلام عاجزا عن تقديم إجابات لتلك الأسئلة الكثيرة المتعلقة بما يكشفه من كواليس، مثل من يكشف ولماذا وفى أى توقيت؟ أليست قضية "ويكليكس" بوثائقها وأسرارها وتوقيت ظهورها وطبيعة هذا الظهور ونوعية الدول التى يتم نشر أسرارها محفز قوى لإعادة الاعتبار لنظرية المؤامرة وشحن همم المؤمنين بها؟ ألا تجد فى تزامن ظهور أسماك القرش فى شرم الشيخ مع الادعاءات والأكاذيب المستمرة لعارضة الأزياء الإسرائيلية الشهيرة وصديقة براد بيت عن السياحة فى مصر، محفز للبحث عن مؤامرة ما فى الأمر، خاصة إذا قارنت هجمات أسماك القرش فى شرم الشيخ مع ما يحدث بشكل أكثر شراسة على سواحل المنتجعات الأمريكية والأوروبية؟ ألا تجد فى تكرار نشاط أحداث الفتن الطائفية كلما اقتربت انتخابات رئاسية أو زيارة رئاسية لأمريكا مبررا يدفعك لأن تعيد النظر فى موقفك من نظرية المؤامرة؟ ألا تجد فى تحركات إسرائيل الغامضة والمريبة داخل القدس المحلتة وتجاه المسجد الأقصى أى استفزاز يدفعك لأن تعود إلى أوراق نظرية المؤامرة وتفتش بين سطورها؟ ألا ترى فى تلك التحالفات الغريبة داخل دولة العراق الجديدة وتلك التحركات الإيرانية والمواقف الأوربية تجاه نصف قضايا الشرق الأوسط أسرار وتفاصيل لفصل جديد من فصول نظرية المؤامرة التاريخية؟ ألم تشم فى ريح الهوس بأنفلونزا الخنازير الذى اجتاح العالم فجأة واختفى فجأة، أى رائحة لمؤامرة صنعها أباطرة الدواء والمال فى العالم؟

تعالى نذهب معا إلى كتب العلوم السياسية أولا بحثا عن تعريف لنظرية المؤامرة لكى تصبح الإجابة على علامات الاستفهام السابقة أبسط وأسهل، كتب السياسة تعرف مصطلح نظرية المؤامرة الذى ظهر لأول مرة فى مقالة اقتصادية عام 1920م وانتشر فى 1960م، ثم تمت إضافته إلى قاموس أكسفورد عام 1997 بأنه محاولة لشرح السبب النهائى لحدث أو سلسلة من الأحداث (السياسية والاجتماعية أو التاريخية) على أنها أسرار، وغالباً ما يحال الأمر إلى عصبة متآمرة بشكل منظم هى وراء الأحداث، وكثير من منظمى نظريات المؤامرة يدعون أن الأحداث الكبرى فى التاريخ قد هيمن عليها متآمرون أداروا الأحداث من وراء الكواليس.

وللتبسيط أكثر يمكن القول بأن المؤامرة بها طرفان رئيسان، هما المتآمِر والمُتآمَر عليه، تحدث فى كل مكان ووقت، بغض النظر عن المساحة المكانية والتنفيذية والزمنية لها، فقد تحدث فى المنزل، وقد تحدث فى العمل، وقد تحدث فى الدولة، وقد تحدث على مستوى عالمى، ومن الناحية الزمنية فقد يتم تنفيذ المؤامرة بشكلٍ كامل ابتداءً من التخطيط وانتهاء بالوصوول للنتائج فى ساعة أو يوم أو سنة أو عدة سنوات، وتعتبر المؤامرة الغربية على الدول العربية والإسلامية هى أشهر ما أنجبته نظرية المؤامرة على الإطلاق بسبب اليقين السائد لدى أغلب العرب والمسلمين، بأن هناك تحركات غربية ويهودية دائمة لتدمير الثقافة والعادات والأخلاق العربية والدينية الإسلامية فى المجتمع باستخدام وسائل الاعلام والأموال.

هل تسعى الآن لتطبيق هذه المفاهيم على الأسئلة السابقة؟ أدعوك لأن تتوقف أولاً أمام رأى الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل فى تلك القضية لتعرف بعدها لماذا وكيف يجب أن نعيد لنظرية المؤامرة اعتبارها مرة أخرى؟ فى ذلك الشأن يقول هيكل، الخطأ الذى يقع فيه المؤمنون بنظرية المؤامرة أنهم دائما ما يروجون لها على اعتبار أن التاريخ والأحداث فى حد ذاتها مؤامرة كبرى، ولكن المؤامرة توجد فى التاريخ، ويمكنك أن تعثر عليها وسط الأحداث، ولا أزال أرى المؤامرة أكثر ما تكون فى هذه المنطقة. فهذه المنطقة أكثر تعرضاً لما يمكن أن يكون مؤامرات فى التاريخ، والسبب ليس استقصاداً كما يحلو للعرب أن يروجوا ولكنه ببساطة يتعلق بموقعنا الذى يعتبر مفترق الطرق فى العالم بمعنى أن أى أحد على قارعة الطريق "مفتوح مكشوف" بهذا الشكل على خريطة العالم معرض أكثر من غيره إلى ما لا يمكن تصوره لأنه موجود فى مجرى الاتصال والصراع والحروب حتى بين الغرب والشرق.

أليس غريبا ألا يحدث لأى منطقة فى العالم ماحدث لتلك المنطقة بناءً على معاهدة سايكس بيكو التى شهدت جلوس أشخاص غرباء على خريطة منطقة لا يملكونها ولا يعيشون بها، وإعادة تقسيمها وترتيبها لدرجة أن صناع تلك المعاهدة قالوا وقتها: (جلسنا أمام خريطة الشرق الأوسط كما لو كنا نوزع كعكة). قارن إذن بين ما تقوله كتب التاريخ عن المؤامرات التى غيرت مساره، وبين ما يحدث الآن فى العراق وجنوب السودان وإيران ومصر وفلسطين لتعرف أن هناك مخططاً آخر أو مؤامرة أخرى توقدها ألاعيب سياسية برائحة رأسمالية لخدمة أهداف أطراف محددة ليس من بينها على الإطلاق أبناء تلك المناطق التى يتآمرون عليها، قارن بين ما رصدته كتب التاريخ من مؤامرات، وبين ما يحدث فى العالم الآن، وستكتشف أن نظرية المؤامرة لابد أن تعود إلى مكانها الطبيعى على ساحة الجدل، خاصة وأن مؤامرات هذا الزمن يحركها المال والاقتصاد والشركات وحركة المال والربح أقسى بكثير من تحركات السياسة حتى ولو كانت غامضة!!
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة