خالد صلاح

محمد الدسوقى رشدى

فى الذكرى السنوية.. هل تشاطرنى الأحزان؟!

السبت، 25 ديسمبر 2010 11:40 ص

إضافة تعليق
لا أعرف إن كان مسموحاً أو إن كان يهمكم أصلا مشاركة الكاتب- أى كاتب– همومه الشخصية، ولا أعرف إن كان من حق الكاتب– أى كاتب- أن يسرق المساحة التى منحوه إياها للتواصل مع الناس من خلال تقديم خدمة تحليل الأحداث ومناقشة القضايا معهم ولهم، ويحولها إلى مساحة للرغى فى كل ما هو شخصى.. لا أملك إجابة على ما سبق ذكره.. ولكن كل ما أعرفه أننى مغرم بالفضفضة على الملأ مغرم بالحكى عن كل ما هو شخصى لأننى مؤمن بأن كل ما هو شخصى بالضرورة متصل بالواقع بشكل ما، عموما السطور القادمة واجبة لأننى اقتربت من موعد ذكراك السنوية، ويبدو أننى سأسقط فى فخ العام الماضى ولن أفلح أن أكون أمام قبرك.. ولذلك دعنى أنقل قبرك إلى هنا لكى أحكى لك التالى بعد 9 أعوام من الرحيل..

كانت نفس الآية القرآنية التى اعتدت سماعها فى تلك المواقف بنفس نبرة الصوت التى تطلقها الأحبال الصوتية وهى تترنح وتتمايل من كثرة الحزن ونفس نظرة العين التى تغالب انكسارها بتصنع أحاسيس شجاعة مزيفة، وكانت نفس المياه المملحة تملأ العيون وتخنق صوت صاحبها وهو يحاول أن يكون حكيما وعطوفا وحانيا وهو ينقل لك الخبر الذى يطلقون عليه فى بعض المناطق الأدبية "الخبرالصاعقة "، كنت أبدو هادئا لدرجة البرود، أقرأ فى أعينهم تلك الجملة اللعينة :(يا عينى يابنى.. أه لو تعرف اللى هيحصلك بعد شوية.. ياحبة عينى أنت وأختك.. كان بدرى عليكو الهم ده )، كنت أتمنى وقتها أن أرفع يدى وأطبق بأصابعى المرتعشة على وجوههم وأغلق جفونهم الباردة إلى الأبد وأصرخ فى آذانهم.. والله عارف.. أنا عارف.

الجبن تملكنى إنها عادتى ولن أشتريها أسقط دائما فى فخ جبنى وأنزوى بحثا عن ركن يكفينى شر الكلام والمواجهة، كنت أريد أن أعلو بصوتى قائلا: (آه لو تعلمون بالنار الموقدة داخلى) ولكننى استسلمت للركن وتكورت فى حضن صمته..
كان هناك شىء ما يداعب كافة أمعائى ويهدهد حجابى الحاجز يسرع من انقباضه ويبطئ بمزاجه، يتحكم فى أنفاسى الخارجة والداخلة وكأنه يملكنى، يخطف الأنوار والألوان من عينى، يزرع فى أذنى كلمات غريبة وينشر فى عقلى بذور أوهام أو لتقل خيالات مثل تلك التى نراها فى لحظات اليأس والخوف.. ومع ذلك ورغم تكورى فى حضن الصمت كنت أتمنى أن أصرخ فى وجوههم: (اللعنة على أساليبكم اللعينة.. هيا هاتوا ما عندكم.. استجمعوا شجاعتكم إن كنتم تملكونها وأخبرونى.. اللعنة على الجبن الكامن فى نفوسكم.. هيا اصرخوا فى وجهى "وطبطبوا" على كتفى وقولوا معلهش يابنى إرادة ربنا.. هيا فأنا أعرف، لا تخافوا فأنا أشعر بذلك منذ ليلة أمس منذ دخلت لغرفتى بالمدينة الجامعية ساكنا شاردا دون سبب محاولا على غير العادة أن أنام باكرا.. ولكن النوم انشغل بمواعيد أخرى ولم يأتِ)!
احتضنت سريرى الصغير محتميا به من هلاوس الموت حتى طلبونى، أيقظونى من تلك اللحظة الكامنة بين النوم والحياة.. قريب لى لم أعتد سؤاله رأيته فأدركت أن الخيالات التى تسكن نفسى وروحى حقيقة.. اللعنة على قاطعى صلة الرحم، يظلون بعادا عنك وما إن تراهم يتأكد لك أن هناك مصيبة ما.

ثلاث ساعات هى المدة التى يستغرقها الطريق من القاهرة لدمياط.. يتكلمون يبتسمون ولكن خلف عيونهم يكمن شىء ما هم أفشل من إخفائه.. (هيا فليتكلم أحدكم.. فلينطق الشجاع فيكم ويقول شد حيلك يا محمد أبوك مات.. هيا أنقذونى من تلك الدوامة التى تعبث بعقلى.. أنقذونى من إحساس اليقين والأمل فى تغيره)، كنت أدرك وقتها أن والدى توفى ولكن جهزت كل جيوشى الدفاعية وأطلقت العنان لها لتغزو عقلى وتحارب تلك الفكرة وتصرخ فى إحساس الموت قائلة:(إنه لم يمت، أبوك بس تعبان شوية، أكيد هتروح تلاقيه وتاخده فى حضنك، وتقوله آسف أننى لم أكن بجوارك) اللعنة على الكلية والغربة.. وعلى إحساسى الدائم بأن أبى قوة جبارة لا يهزمها المرض.. اللعنة على خيالات الأطفال التى تصنع لأبيها تماثيل خالدة غير قابلة للموت.

لم يتكلم أحد منهم إلا عندما اقتربنا من بلدتنا، تلك التحفة الجغرافية التى يحتضنها الماء كما كان يحتضننى هو دائما.. اقتربنا بالوصول وهاهم قد بدأوا كالعادة فى أسطوانتهم المحفوظة لتلك المناسبات، أشادوا بشجاعتى التى لم أعرف لها طعما من قبل وكرروا على مسامعى كلمة أنت الكبير يامحمد - اللعنة على أن تكون أنت الكبير-.. وأطلقوا العنان لألسنتهم لتتلو تلك الآية "وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون".

لم أتكلم.. وقلت لنفسى حاضر، هيا بشرونى، سأتماسك، سأكون على قدر المسئولية.

ها أنذا الكبير المتماسك كما تريدون ولتذهب مشاعرى وليذهب قلبى إلى الجحيم، ولتذهب معه تلك الدموع الحبيسة إلى الجحيم أيضا.. هاأنذا.. المياه المملحة تترجرج فى عينى ولا تخرج.. ليس لأنى الكبير كما تتوهمون ولكن لأنى لا أريد أن أصدق ما تقولون، سوف أنزل من السيارة لأجده جالسا على المقهى يرحب بى ويسألنى عن آخر ما قرأت ويعاتبنى على قصور نظرى ورؤيتى التى تحتاج لمزيد من إطلاق الخيال للعقل.

دقائق واكتشفت أن أمنية التى حولتها لسلاح يحارب خبرهم الحزين والقاسى لن تحدث، ناس بلدى وقريتى كلهم كانوا متراصين فى صفوف على الطريق وهم لايفعلون ذلك إلا للعزيز الغالى.. وأبى واحد من هؤلاء.

إلى بحضن قادر على استيعاب كل هذا الغضب والحزن والضياع لأرتمى بداخله فأنا جبان أخشى البكاء أمام الناس هيا.. أحتاج لأى ذراع يطوقنى ويخفينى بداخل صدر صاحبه.. أريد أن أبكى، أريد أن أختفى.. للأبد.. ارتميت وصرخت (أنا جبان.. كان لازم أقعد جنبه وهو تعبان.. مكنش لازم أهرب.. أكيد كان محتاجنى.. أنا جبان) العالم كله يرددها خلفى لإثبات جبنى وضعفى.. ثم قلت لنفسى "أنا عاوز أشوف أمى وأختى".

هاهى أختى الصغيرة تتكور فى نفسها كعادتها لحظة الانهيار، دموعها أحالت عينيها إلى شىء آخر أقوى من الذبول لا أعرف له معنى بعد.. أعلم أنها كانت تعشقه وهو أيضا كان يعشقها، تلك الحالة من الانسجام الكامل بين البنت الصغيرة وأبيها الذى يغمرها بالحنان.. ألقيت بنفسى داخلها.. أريد البكاء.. ولكن ممنوع.. امسك نفسك أنت الكبير.

تركتها وذهبت، صليت مع الناس ودعوت له وبكيت أمام قبره.. وتركته ورحلت- اللعنة على الرحيل تلك العادة الإنسانية البشعة- ولكن الوحوش تعيش بداخلى تمزق كل خلية على حدة، وتمثل بأشلائها الصغيرة، تحاسبنى على جبنى.. هل كان يريد أن يرانى؟

بالقطع نعم.. وأنا حرمته من تلك الأمنية.. هيا عذب نفسك لتطهرها من جبنك.. لا تتمنَّ لنفسك السعادة أيها الجبان، فلقد تركته وهو يحتاج إليك وأنا أيضا أحتاج له.. اللعنة على الجبن الإنسانى.. ومرحى لذلك العذاب النفسى الذى يقتل الفرحة مهما كان مصدرها، ويمنعنى من اكتمال نشوة السعادة إذا بدأت، أنا أستحق.. أعلم ذلك.. كان المفروض أن أكون بجواره.. هيا اتركوا العنان لحملة سياط التعذيب بأن يلهبوا ظهرى بضرباتهم.. لعلى أطهر نفسى ولعلك يا أبى ترضى عنى، ولعل ذلك الشبح الذى يطاردنى ليلا ليبكينى.. يختفى!


إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة