أحمد محمد صلاح يكتب: الثقافة الجبرية

الخميس، 23 ديسمبر 2010 10:44 م
أحمد محمد صلاح يكتب: الثقافة الجبرية دار الأوبرا المصرية

كان لى الشرف والحظ فى حضور اجتماعات المجلس الأعلى للثقافة الذى ناقش فيه الخطوات العملية للتحضير للمؤتمر العام للمثقفين.. ولقد استمعت إلى مناقشات رائعة من أعضاء المجلس وكانت كل كلمة منهم هى بمثابة خلاصة فكر ودراسة وقراءة وعمل لسنوات عديدة تتجاوز عمرى الصغير بمراحل.. وكانت الأفكار كثيرة ومتنوعة وجادة وأيضا رشيقة تجعل المثقف والمفكر فى حالة نشوة مع ما يستمع إليه، وأيضا يشعر بالضآلة أمام هؤلاء الجهابذة الذين لن أستطيع أن أطاول قامة أحدهم فى يوم من الأيام.. ولكن.

وأعتقد لابد من " لكن" تلك فأنا مهموم بأمور الثقافة ليس الإنتاج الثقافى فهو موجود.. ووزارة الثقافة لا تألو جهدا فى شتى أمور الثقافة من طبع الكتب وإنشاء المتاحف وإقامة المسارح وعرض المسرحيات وأيضا إنشاء الأوبرات وإقامة معارض الفن التشكيلى والمهرجانات وغيرها من الأنشطة الهامة التى تحسب لوزارة أصبحت ـ فى رأيى ـ وزارة إستراتيجية فى خلال السنوات الماضية وليست فقط مجرد وزارة للترفيه.. الهم الثقافى هنا هو إيصال الثقافة إلى الطبقات التى تنظر إلى الثقافة بمنظور الترف.. وفى بعض الأحيان بمنظور الكفر والإلحاد.. ودعونى أوضح:

فى فترة التسعينيات كانت هناك صحوة إسلامية كبيرة ـ وهذا أمر محمودـ ولكن أن تجعل هذه الصحوة النظر إلى المثقف على أنه مجرد شخص علمانى أو شيوعى أو كافر لمجرد أنه قرأ لكارل ماركس أو نيتشه فهذا أمر شديد الخطورة وخصوصا أن من يروجون لهذه الأفكار موجودون معنا على شاشات الفضائيات وعلى منابر المساجد وصوتهم أعلى من صوت الثقافة، فقط لأنهم يدخلون كل بيت، ويذهب إليهم كل فرد، كما أن الثقافة المتمثلة فى وجود الكتاب أو حضور معارض الفن التشكيلى أو حفلات الأوبرا أو المسرح تمثل ترفًا للكثير من طبقات الشعب المصرى الذى ينظر إلى هذه الأشياء على أنها " فسحة " ليس أكثر واقتناء الكتاب مرهون بفائض الميزانية التى ليس لها فائض على الإطلاق.

وأقول.. لماذا لا نجعل الثقافة جبرية؟ أن تسقى بالملعقة.. أن تحفز المواطن على الذهاب إليها ليس أن تنتظره هو أن يذهب إليها.. مثلا نجعل الكتاب فرضا على المواطن.. فعندما يذهب لصرف بطاقة التموين يأخذ مع الشاى والسكر والزيت، كتابا من يستخرج شهادة ميلاد أو زواج أو حتى طلاق أو وفاة . يأخذ كتابا ومن ينهى إجراءات مثل رخصة سيارة أو بيت..إلخ يأخذ كتابا.. وتكون تلك الكتب مدعومة من وزارة الثقافة وأيضا من الجهة والوزارة التى تتبعها.

أعتقد أن فى تلك الحالة لن تخلو مكتبة أى بيت فى مصر عن وجود الكتاب الذى بالضرورة سيفتح شهوة من فى البيت إلى تصفحه ثم قراءته. مع العلم أن القراءة غريزة أساسية فى كل وحد منا.

كذلك الحال مع دعوات الأوبرا والمسارح ومعارض الفن التشكيلى والندوات التى توزع مجاناً.

تنظيم تلك العملية سهل وبسيط فعندنا فى مصر إداريون على أعلى مستوى من الكفاءة واتفاق الوزارات مع بعضهم لن يتطلب سوى بروتكول بسيط بينهم وبين وزارة الثقافة.. وتخيلوا معى الوضع بعد بضع سنوات ستجد سائق الميكروباص ينتظر إكمال عربته بالزبائن وهو جالس على المقود يقرأ للعقاد "بالاسموكنك" ويستعجل الزبائن لأنه سيذهب إلى الأوبرا بعد هذه التوصيلة لحضور نيران الأناضول.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة