خالد صلاح

فاطمة ناعوت

فى صالون الرئيس مبارك

الثلاثاء، 02 نوفمبر 2010 02:14 م

إضافة تعليق
قبل عشر سنوات، فى عهد فاروق شوشة، رئيسًا لاتحاد الكتّاب، التقى الفنان التشكيلى فاروق حسنى، وزير الثقافة، بأعضاء مجلس إدارة الاتحاد فى اجتماع مغلق، ثلاثون عضوًا حرصوا على الحضور بزيّهم الرسمىّ، استمعوا إلى كلمة الوزير حول إنجازات الثقافة، ودور الأدباء والكتّاب التاريخى فى تقدم الأمم، وحينما جاء الدور ليتحدث المثقفون، بعدما سألهم الوزير عما يشغلهم، جاء قولهم عجبًا! إذ انحصرت مداخلاتهم، أو كادت فى أمور شخصية ضيقة وعابرة! إلى حدّ أن أحدهم اشتكى من عدم صدور كتاب له فى مكتبة الأسرة، وتشكّى آخر من أنه لا يستطيع دخول مبنى ماسبيرو بكارنيه الاتحاد! ما جعل بهاء طاهر يتدخل قائلاً إن اجتماعًا كهذا، حرىٌّ به أن يناقش السياسات العامة لوزارة الثقافة، ومُساءلة المسؤول التنفيذى عن خططه المستقبلية، ومدى تأثير ذلك على الثقافة والمثقفين، وعلى الوطن، ذاك إن اجتماعات كتلك، يجب أن تنشغل «بالثقافة» ومشاكلها، لا مشاكل «المثقفين» الفردية!
تذكرتُ تلك الواقعة وأنا أتابع لقاء الرئيس بنخبة من مثقفى مصر. أما لماذا ذكرنى هذا بذاك، فلأننى أتصوّر، وفق ما نشر عن لسان، أو بأقلام، بعضا ممن حضروا اللقاء، أن المثقفين شُغلوا بأحد أمور ثلاثة: كلام حول عدم وجود خطة مستقبلية لمصر 2020 و2050، وهو ما كان يشغل السيد ياسين. أمور نخبوية مثل دعم مشروع الترجمة، وصندوق المعاشات باتحاد الكتاب، وهو ما يشغل جابر عصفور ومحمد سلماوى. وأخيرًا مسائل هامشية، على خطورتها، مثل سعر الطماطم والخيار!

قد يُقال، وهو حق، إن الثقافة فى ذيل اهتمامات المواطن، والوطن، والسلطة التنفيذية، وإن المثقفين والأدباء خارج حسابات الجميع، وقد يقال أيضًا إن لقاء الرئيس فرصةٌ للحصول على هذه المكاسب/الحقوق، خاصة إن توجيهات الرئيس فى بلد يملك فيه، دستوريًّا، معظم مفاتيح السلطة، تعد أوامر واجبةَ النفاذ، وقد يستشهدون بما حدث من مماطلات وزير المالية فى تنفيذ قرار رئيس الوزراء بمنح مبلغ مليونى جنيه لصندوق المعاشات والإعانات باتحاد الكتاب، تلك المماطلات والمماحكات المستطيلة التى توقفت، فى لحظة، حين تدخل الرئيس، إثر مذكرة رفعها له رئيس الاتحاد.

لكنه الحقُّ المنقوص، إذ إن اجتماعًا على هذا المستوى النخبوىّ الرفيع، فى هذا الظرف المصيرى الدقيق الذى تمر به مصر، استغرق لحظة زمنية محترمة، (أربع ساعات وربع الساعة)، ظل يترقّب المثقفون حدوثه، بشغف، سنواتٍ خمسًا، اجتماع كهذا إذن، كنّا نعوّل على الكثير من ورائه، نحن المواطنين والمثقفين والكتّاب والمهمومين بحاضر مصرَ وغدها.
كان حريًّا به أن يفتح الملفات الشائكة جميعَها: ملف الحراك الشعبى الذى يطالب بتغيير الدستور لصالح تقليص سلطات رئيس الدولة، وإقامة نظام حكم تسهُل محاسبته به من قِبل الأجهزة الشعبية والرقابية، ملف الاجتياح الظلامىّ العنيف الذى يغيّم سماء مصر وينذر بعواقب وخيمة، ووشيكة، ملف توحيد بناء دور العبادة، الكنائس مثل المساجد، والبحث فى طرائق إنهاء الاحتقانات العقائدية، التى خرجت من السر إلى العلن، إنهائها بأمر رئاسى سيادى مباشر وحاسم، ملف البند الثانى فى الدستور الذى يجعل المسيحى المصرى مواطنًا من الدرجة الثانية، ملف إلغاء خانة الدين من بطاقة الهوية، مثل كل بلاد الله، ومثل جوازات السفر، ملف تفعيل اتفاقية CEDAW لوقف الانتهاكات ضد المرأة، التى وافقت مصرُ عليها، وإن تحفّظنا على بعض بنودها، بينما مازال وضع المرأة المصرية مهينًا، ملف أطفال الشوارع الذى يهدد بكارثة مروّعة وشيكة، ملف التفاوت السافر بين الأغنياء والفقراء فى مصر، الذى عاد بنا إلى مجتمع النصف بالمائة، حيث يمتلك حفنة من الرجال معظم ثروتها، بينما يموت الناس جوعًا وينتحرون فقرًا كل نهار، ملف إهدار كرامة المصريين فى الخارج، (وفى الداخل طبعًا)، انطلاقًا من مبدأ العزيزُ فى بلده، عزيزٌ خارجها، والرخيص على أهله، رخيصٌ على العالمين، ملف زواج المسيار بين البيزنس والسلطة، لدرجة أن رجلا مثل المهندس أحمد عز «يهندس» شكل البرلمان المقبل باليمين، بينما يحتكر ويبيع ويشترى ويتحكم فى الأسواق باليسار، إضافة إلى الفضائح التى تم الإعلان عنها مؤخرًا فى موضوعات توت آمون وأرض التحرير والعلاج على نفقة الدولة، وغيرها.. ملف الوضع الشاذ لجماعة دينية محظورة اسمًا، بينما، بقوة الفعل، تسيطر على الشارع المصرى كأنما تحكم، ملف إقصاء دور المثقفين فى الوصول بأفكار التنوير إلى البسطاء، خوفًا من تأثيرهم السلبى على النظام القائم، كأنما النظام يفضل نار الجماعة عن جنة المثقفين! ملف غياب أحزاب معارضة حقيقية تلعب دورًا حيويًّا فى إعادة التوازن إلى السلطة، فى ظل التضييق المتعمد على التنظيمات الشعبية الحقيقية وعلى حريتها فى تكوين أحزابها، والسماح، بالمقابل، لأحزاب شكلية لا يعرف الناس أسماءها.

منَّيتُ نفسى كثيرًا بمناقشة أمور كتلك، أو بعضها، فى لقاء جمع المثقفين برئيس الدولة، ذاك أن المثقف الفاعل، كما أفهم، هو ضمير أمته ولسانها الناطق، بدل البحث فى مصالح هامشية، وإن كانت مهمة. > >
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



الرجوع الى أعلى الصفحة