الحاجة بدرية من الشرقية وعمرها 59 سنة.. لم أذكر اسم تلك السيدة الفاضلة فى البداية لأسرد عليكم مأساة تعيشها، كما قد يظن البعض، ومن ثَمّ لم أصرح بعمرها لأطلب لها 50 جنيها معاشًا من وزارة التضامن الاجتماعى، ولم تربطنى بتلك السيدة صلة قرابة أو يجمعنى بها لقاء عابر، لأعرف من خلاله اسمها وعمرها ومكان إقامتها.
معرفتى لتلك البيانات الشخصية جاءت من خلال شخص، أعلنها بمكبر صوت فى سيارة تابعة لوزارة الصحة ومخصصة للتبرع بالدم، تقف بشكل شبه دائم فى ميدان الإسعاف. كان المنادى يستخدم الحاجة بدرية لإثارة نخوة الرجال والشباب وحثهم على التبرع بالدم قائلا: "الحاجة بدرية من الشرقية وعمرها 59 سنة ومعانا فى العربية بتتبرع بدمها يا جماعة.. يا جماعة الشباب ماشى ولا بيسأل.. ولا حول ولا قوة إلا بالله".
ارتفعت حدة صوت المنادى، حتى إننى خشيت أن تفلت أعصابه ليوجه شتائمه لجميع المارة فى الميدان، ولكن خاب ظنى عندما تغيرت لهجته ليعلن بهدوء أن "الدم ده هيروح لمستشفى أبو الريش للأطفال يا جماعة.. تخيل أن الطفل إللى محتاج الدم ده طفلك" ثم تابع بحماس: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى".
لم أفهم العلاقة بين كفالة اليتيم، والتبرع بالدم لأطفال لهم آباء وأمهات على قيد الحياة، ولكن لم تسعفهم أحوالهم الرقيقة على علاج أبنائهم فى مستشفى خاص، فاضطروا إلى إيداعهم فى مستشفى حكومى أخرجت سيارة فى ميدان عام لتعلن موتهم، فى محاولة لاستعطاف المارة حتى يتبرعوا بالدم.
عاد المنادى من جديد ليذكِّر المارة بأن الحاجة بدرية لا تزال فى "العربية" تتبرع بدمها، كان ينادى بحماسة فاقت حماسة الباعة الجائلين حوله، وكأن له مصلحة من زيادة أعداد أكياس الدم المُتبرع بها، كان أسلوبه فى النداء يجبرك على أن تتشكك فى مصير هذه الأكياس بعد ملئها بالدماء.
وهنا أتساءل: لماذا لم تُعلق لافتة فى مكان بارز (فوق السيارة مثلا) تعلن فيها وزارة الصحة عن الخطوات التى يتم اتخاذها بعد التبرع بالدم، والجهة التى ستستلمه، حتى يطمئن المتبرع بأن دمه لن يباع، بدلا من أسلوب "الشحاتة" الذى يثير الريبة. وما ذنب الحاجة بدرية حتى يتم استغلالها والمتاجرة بها (حتى ولو كان فى سبيل الحث على التبرع).
تبرعت بالدم مرتين فى سيارة تشبهها، كانت تقف فى ميدان رمسيس، ولكن من المستحيل أن أخوض التجربة مرة ثالثة، قد يحدث معى - بعد أخذ بياناتى وصعودى إلى السيارة واستلقائى على الشيزلونج ودفن سن الحقنة فى وريدى - مثلما حدث للحاجة بدرية، فربما يهتف السائق أو أحد الممرضين فى مكبر الصوت وسط ميدان الإسعاف، قائلا: "يا جماعة معانا فى العربية على سيد.. شاب عنده 32 سنة عامل زى عود القصب ومفيهوش الرمق.. بس بيتبرع بالدم معانا.. يا جماعة الناس ماشية زى ضلف الباب ولا بتسأل فينا .. ولا حول ولا قوة إلا بالله".