ها قد عدت من جديد إلى معسكر "عتليت " بعد أن طفت إسرائيل.. وبدأت معركة الحوار مع زملائى الأسرى، منطقى قد خضع للمقارنة بين ما كنت أسمع ويحكى لى وبين ما شاهدت.. لن أنسى عندما توجهت بعض الأمهات بأطفالهن فى تلك المستعمرة، وهم يرجوننى بأن أرجع لمصر، وأقول لهم هناك "كفاية حرب.. عايزين سلام.. خدو قطاع غزة والضفة الشرقية، وشريط يوصل بينهما وليعيش الفلسطينيون بسلام هناك".. وعندما يحتدم الحوار وتعلو الأصوات، نبدأ فى تبادل الشتائم .. "أنتم مخكم متحجر، انتم لو شفتم منظر الاولاد الصغيرين وهم بيلعبو على النجيلة الخضراء قدام المستعمرات، والا الكراسى على البلاجات، والا شجر التفاح والخوخ والمشمش.. طيب بلاش كل ده، احنا بنحارب أمريكا مش اسرائيل، ده فى كل مكان، تلاقى الكفين بتاعة المساعدات الأمريكية".
مازالت التحقيقات مستمرة معى، مرتين إلى ثلاث مرات فى الأسبوع، ومحقق واحد لا يتغير، لقد أصبحنا أصدقاء ..لذا، كنت أذهب للاستجواب فرحا، وعند سؤالى من الزملاء: لماذا كل هذا الفرح؟ أجيبهم: "أهه، بغير منظر .. وأروح ألاقى الراجل قاعد مستنينى وحاطط على مكتبه أربع زجاجات كولا وعلب سجائر..وكل شوية واحد يخبط على الباب، مرة بتاع العرق سوس، ومرة بتاع القهوة والشاى.. والقعدة كلها دردشة فدردشة".
لكن شيئاً ما كان يبدو واضحاً فى ملامحى أيضا، خاصة عندما كان يسألونى عن أحوال مصر؟ فكانت أجيب: "آه.. أنا حاجنن، بيقولولى مصر دلوقتى عايشة على المساعدات.. أم كلثوم طالعة تشحت.. المثقفين هربوا لأوروبا .. حاجة تحرق الدم"، ظلت على هذا الحال قرابة الشهر حتى وجدت المحقق وبشكل مباشر يريد تجنيدى.
أحمد: انت بتضيع وقت.. مستحيل لسببين، أولا لانى حاحتقر نفسى، وانتم حتحتقرونى، والثانى لتان عندنا جهاز مخابرات قوى، حيقبض على.
للحظة بدا هذا الكلام مقنعا للمحقق، لكنه باغت أحمد بقوله: احنا بنديلك فرصة ذهبية للعودة بس ما فيش حاجة ببلاش.
بعد تكرار العرض وتكرار الإجابة بلا، قال أحمد للمحقق: أنا عايز أتعلم إزاى أعمل تنظيم، بس فى أمريكا مش عندكم إنتم.
دقق المحقق النظر لى وقلب الكلام فى رأسه ثم قال: حنقول للمسئولين الكبار ونرد عليك ..
وبعد ثلاثة أيام، استدعانى المحقق ذاته، وفيما بدت عليه علامات الانبساط وهو يصافحنى بحرارة، قال لى: فى مسؤل كبير حبيبى أحمد عايز يشوفك.
أحمد بتعجب: عايز منى ايه؟
المحقق: يشوفك، يقابلك، يناقشك حبيبى.
ودخل المكتب بطريقة حاسمة، ذلك الضابط ذو الملامح الأوروبية، أما أحمد، فلم يكن يعلم أن لتلك العبارة التى ختم بها الاستجواب الأخير، كل هذه الأهمية لديهم.
الضابط : اذا كنت بتكره عبدالناصر لهذا الحد، ليه ما سلمتش نفسك للامام البدر لما كنت فى اليمن، علشان تحرج عبد الناصر، ده اذا كنت فعلا صادقا؟؟
أحمد: صحيح أنا كنت ضمن القوات المصرية اللى كانت فى اليمن، وصحيح أنى فكرت فى نفس كلامك وأنا هناك، لكن لقيت انه مالهوش فايدة.. أنا عايز أعمل حاجة ضد عبدالناصر من جوه .. من داخل مصر.
ابتسم الضابط ووقف ثم دار بوجهه تجاه الحائط، ثم عاد بعد لحظات، ليفاجئ أحمد بالموافقة على طلبه ..لكنه تسأل: لماذا أمريكا بالذات؟
أحمد بهدوء: علشان أبقى مرتاح نفسيا، واللى حاحاول أجندهم معايا، ما يعترضوش على إسرائيل العدوة اللى دربتنى ..
الضابط يهز رأسه لأحمد قائلا: ما تكبرش الموضوع وتحبكه.. هم يعنى ايش حايعرفهم ان اللى دربتك أمريكا والا إسرائيل ..
نفس المكان ولمدة ستة أشهر وأنا أقابل ذلك الرجل الطويل، ذى العينين الخضراوتين .. الغرفة كبيرة ..نوافذها غير قابلة للفتح، مليئة بالخامات الكيميائية والصحف والمجلات والأوراق والأحبار والوسائل الإيضاحية والآلات الكاتبة وجهاز راديو، إلى غير ذلك من نماذج مصغرة لبعض المنشآت والمبانى السياسية والفنية والإعلامية، الموجودة داخل مصر والمنفذة بشكل فنى مبهر..
تدربت على كيفية اختيار وتجنيد أعضاء التنظيم، عمل المنشورات، توزيعها، عمل الحرائق الطبيعية، صناعة المفرقعات من خامات متوفرة ومتداولة.. وكمان إزاى أفسد أى اجتماع أو مؤتمر أو أى لقاء جماهيرى، الحقيقة إننى بدأت أفهم أشياء كثيرة حدثت فى الماضى، سياسيا وصحفيا واجتماعيا وحتى اقتصاديا ونفسيا ..
فى صباح الجمعة 23/فبراير/1968 كان الأتوبيس الذى يحمل الفوج السابع من الأسرى المصريين، وأن معهم على وشك الوصول إلى الضفة الشرقية..
العبارة فى الانتظار والأتوبيس المصرى ينفث دخانه على الجهة المقابلة فى انتظار الجنود..
لحظات لا تنسى من ذاكرتنا ونحن نجول بأنظارنا القنال، نشاهد آثار الحرب ..الثكنات العسكرية .. الدشم ..الأسلاك الشائكة التى علقت بها أفرولات الشهداء. ها قد عادنا وعادت إلينا مشاهد الحرب الحية التى عشناها، وأصوات الرصاص والقذائف وجنازير الدبابات، لكن تعطل الأتوبيس الذى كان فى انتظارنا بعد لحظات من انطلاقه ونزولنا للدفع، قضى على جزء كبير من فرحة العودة إلى أحضان الوطن.
موضوعات متعلقة..
الأسير رواية لعبد الله يسري