مهمة أى حكومة فى العالم الحر هى تقديم الخدمات لمواطنيها، ومراقبة الأسواق والسلع، للحفاظ على جودة المنتجات ومطابقتها للشروط الصحية، ومنع التدليس والتلاعب والاحتكار، وحين يتوجه الناخبون لصناديق الاقتراع يكون معيار التصويت هو مدى الوفاء باحتياجات المواطن، لكننا لم نسمع أبداً عن حكومة تمارس خداع مواطنيها، وتأخذ ما فى جيوبهم كما تفعل حكومتنا ببراعة تحسد عليها.
الشركة المصرية للاتصالات هى شركة مساهمة فى البورصة، لكن الحكومة لا تزال تسيطر على إدارتها، وليس المواطنين الذين اشتروا بعض أسهمها من البورصة، وناهيك عن أن عقود التليفونات الأرضية الثابتة لا تمنح المواطن أية حقوق، بل أنها تشبه عقود الاحتكار التى ليس لها مثيل آخر، وقد فوجئنا أخيراً بأن خدمة 140 أى الاستعلام عن أرقام التليفونات تحولت إلى خدمة مدفوعة وسعر الدقيقة خمسين قرشاً، هكذا دون أى إخطار أو إعلان لأن من يتعاقد على تليفون يسلم رقبته للشركة، تفعل فيه ما تشاء.. لكن الأغرب أنك لا تستطيع إجراء مكالمة مكتملة، وقد حاولت الاستفسار عن رقم فانقطع الخط عشر مرات متتالية دون إكتمال المهمة، مما يعنى أن الشركة حصلت منى على خمسة جنيهات دون تقديم أية خدمة مقابلها.
تصورت أن الأمر مجرد عطل طارئ و"كبرت دماغى" حتى فوجئت بأن الأمر، وتقريبا تحول إلى شكوى عامة استمعت إليها من عدد غير قليل من الأصدقاء، الذين اتخذوا جميعا قراراً بالبحث عن هذه الخدمة عبر الإنترنت فهى أسرع وأسهل، وتقريبا لا تكلف أى شىء لمشتركى "دى إس إل".
الموضوع ليس فى خمسين قرشاً أو جنيه تحصل عليه التليفونات بدون وجه حق، ولكن فى القدرة الحكومية الكبيرة فى الضحك على المواطنين واستحلال أموالهم بمثل هذه الأشكال البسيطة، وبالطبع هناك نماذج أخرى يمكن لكل متابع اكتشافها بنفسه، منها طوابع التمغة التى يجب وضعها على أى ورقة تريد استخراجها من أى جهة حكومية، ورسوم التنمية المحلية، وطوابع الأبنية التعليمية وغيرها.
بعض الحكومات تعطى للناس باليمن واليسار، وحكومات أخرى تأخذ باليمين ما تعطيه باليسار، وحكوماتنا مختلفة جداً تأخذ من الناس باليمين واليسار معا.. لدرجة أنه من كثرة ما يتم تحصيله من المواطنين بشكل شرعى أو غير شرعى أصبحنا جميعاً على "الحديدة" والبعض باع "الحديدة"!
فى كل دول العالم يوجد جهاز لحماية المنافسة ومنع الاحتكار وجهاز آخر لحماية المستهلك، ونحن أيضاً فى مصر لدينا مثل هذه الأجهزة، لكنها على ما يبدو فهى لا تستطيع الاقتراب من أى جهة أو شركة حكومية تمارس التحايل، أو تقدم خدمات غير مطابقة للمواصفات، وحتى تتحول هذه الأجهزة إلى أليات حقوقية للحافظ على حقوق المستهلكين، سيظل الناس فى خدمة الحكومة وهيئاتها وشركاتها المملوكة للشعب حتى طلوع روحنا جميعاً!