خالد صلاح

محمد الدسوقى رشدى

محمود عوض.. الرحيل فى منتصف رحلة إبداع واحترام!

الأربعاء، 02 سبتمبر 2009 07:45 م

إضافة تعليق
حينما مات بليغ حمدى وتركه وحيدا كتب عنه مقالا بعنوان الرحيل فى منتصف جملة موسيقية.. والآن بعد أن رحل هو عنا لابد أن نكتب..

شد حيلك عزيزى القارئ.. كلنا لها، أعرف أنك لا تحتاج إلى أن أقول لك إن محمود عوض كان رجلا طيبا أو كاتبا رائعا، أعرف أنك لا تحتاج الآن سوى بعض المساواة لعلها تعوضك عن كاتبك المفضل، وأشعر بمقدار الألم الذى يطبق على شرايين قلبك بسبب خسارة كاتب نحسبه من أولئك الذين لم يلوا عنق كلماتهم لخدمة مانى الدرهم أو الدولار أو حتى الجنيه، فهل سمعت يوما عن الكبير الراحل نميمة هنا أو نميمة هناك؟ هل سمعت يوما أنه يكتب لفلان على حساب فلان؟ أشك فى ذلك لأنه ربما يكون الكاتب الشهير الوحيد الذى لم تصدر فى حقه واحدة من هذه الشائعات التى تحسب الكتاب على أطراف معينة، هذه الشائعات التى لم ينجو منها هيكل ومصطفى أمين وموسى صبرى وكبار الكتاب، نجى منها محمود عوض وقدم نموذجا جديدا لمعنى استقلالية الكاتب.. محمود عوض كان واحدا من هؤلاء الذين أحبهم القارئ ووثق فيهم، واحدا من هؤلاء الكبار الذين امتلكوا زمام الكلمات، ونجحوا فى ترويض العبارات والأفكار، واحدا من هؤلاء الذين يكتبون فى كل شىء بضمير حى ورؤية واضحة وأسلوب غنائى لا يعرف للجعلصة والفزلكة طريق.. فقط كلمات سهلة وناعمة تمر من أمام عينيك إلى قلبك مباشرة.. راجع كتب محمود عوض المختلفة "بالعربى الفصيح"، أو "ممنوع من التداول" وسوف تكتشف المعنى الحقيقى لفكرة أن يأسرك الكتاب من أول صفحاته. ربما لأن عوض كان من هؤلاء القلائل الذين يكتبون فى الفن بعمق الكتابة فى الشأن السياسى ويكتبون فى السياسة برشاقة من يكتبون فى الفن، وربما لأنه بكتاباته المتنوعة فى شتى المجالات يعيد إلى ذاكرتك صور هؤلاء الشموليين العباقرة.. ابن رشد وابن سينا، ويرحمك من أولئك الذين يغطون على فشلهم وقلة معرفتهم بشعار التخصص فى حتة معينة.

أنا لا أكتب عن محمود عوض بصفة صحفية، فلا الزمن ولا الظروف تسمح بذلك فهو من هو حتى وإن شاءت أقدار الأيام الأخيرة أن نكتب بنفس الحبر على صفحات نفس الجريدة "اليوم السابع"، أنا أكتب الآن من موقع القارئ الذى شاهده أكثر من مرة وكلما حاول أن يقول له: ما كتبته عن بليغ حمدى يا أستاذ محمود أروع كلمات كتبت فى التاريخ، يتراجع خوفا على اعتبار أن هذا الرجل الذى زامل هؤلاء الكبار لن يجد فى هذه الكلمات أى جديد، هذا ما كنت أراه فى عين الأستاذ محمود عوض كلما سمحت الظروف بذلك، قلم كبير يحمل روائح التميز وصورا لقامات كبيرة تبدأ بأم كلثوم وعبد الحليم وبليغ حمدى وساسة وقادة ورجال فكر.. قلم كبير يحمل ذكريات زمن أصيل وعصر غنى بأفكاره وأحلامه يعيش وحيدا يشعر بالتوهان فى عصر أصبح فيه الإعلان الربع صفحة أو الخمسة سنتميتر أهم من مقالات رؤساء التحرير، قلم كبير شارك فى بناء جدار زمنى هام فى تاريخ حياة مصر يعيش وحيدا فى زمن أصبح فيه كارنيه الحزب الوطنى ومقالات النفاق التى تكتب على غير ريق هى مفتاح المرور إلى كراسى شهد محمود عوض عظماء بلده فكرا وثقافة وهم جلوس عليها يناقشونه وبعضهم ربما طلب منه أن يكتب معه، وبعضهم أثنى عليه، وبعضهم ربما توسل إليه ألا ينتقل إلى مكان آخر.. والآن يشاهد نفس الكراسى يجلس عليها خيالات تأمر وتنهى وتهدم فى تاريخ مهنة عاش هو أزهى عصورها، فكيف تحمل كل هذا الضغط إلا إذا كان قد عاش عمره الفانى بنفس راضية عن ما كتبت وقدمت وقانعة وفرحة بما وصلت إليه؟
اسمحوا لى أن أنضم إلى صفوفكم أعزائى القراء نتلقى العزاء فى كاتب كنا على يقين ونحن نقرأ سطوره أنها كانت خالصة لوجه الوطن حتى وإن كانت السطور الأخيرة منها مجرد سرد تاريخى لأحداث مؤكد أنه كان يرى أن ذكرها ضرورى، كنوع من الابتعاد عن اللغوصة فى أحداث تلك الفترة الزمنية المضطربة، ونوع من التأكيد على ذلك المعنى العظيم الذى يرفعه التاريخ شعارا.. لا مستقبل بلا ماضى، فرحمة الله عليك يا أستاذ محمود، ورحمة الله بنا نحن القراء نسأله عن أن يرزقنا الصبر والسلوان وكاتب آخر من هؤلاء الذين يكتبون لنا فقط.. نحن القراء.
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة