إن مبادرة السلام الأمريكية التى طرحها الرئيس أوباما مازالت تعتبر فرصه متاحة، يعرض فيها الأمريكيون منح إسرائيل الشرعية والاعتراف فى مقابل وقف بناء المستوطنات وإقامة الدولة الفلسطينية والانسحاب من الأراضى العربية المحتلة، وهى فى الحقيقة لا تختلف كثيرا عما عرضه العرب أنفسهم من خلال مبادرة السلام السعودية، لكن مجرد إطلاقها هذه المرة من الإدارة الأمريكية حقق أرضية جديدة، لابد أن يعيد الإعلام على جميع الأطراف رسم خرائطه وتوجهاته نحو الشعوب.
إن ما يقوم به الإعلام الإسرائيلى الآن متحالفا مع جماعات الضغط الأمريكية والأوروبية، التى تعمل على تشكيل الرأى العام الإسرائيلى، من تعضيد ودعم لنتانياهو حتى يستطيع أن يعطى ظهره مره أخرى لعملية السلام، وإعطاؤه فرصة متزايدة للف والدوران حول مسألة وقف بناء المستوطنات، يدفع الإسرائيليين مرة أخرى نحو الهواجس والمخاوف التى استثمرها قادتهم لضرب عملية السلام، ولن تعود عليهم إلا بمزيد من الواقع المر والبعد عن الحل، والعودة مره أخرى لموجات الغضب الأعمى، وتمثل هذا الوضع فى كيفية القبول الإعلامى لإعلان المنظمات الأممية الدولية التحقيق فى جرائم حرب غزة وكيف يتصدى لها الإعلام الإسرائيلى فى شكل يجعل مجرد التحقيق فى الجرائم، عائقا يمكن استخدامه لإيجاد ظروف أمنية أكثر صعوبة تنتقص من حق الفلسطينيين يوميا.
وفى المقابل الآخر, فإن الإعلام العربى كعادته دائما غير قادر على التفاعل، فمنذ بدء خطابات أوباما انهالت تساؤلات الشك فى حسن النوايا، وتحطيم القدرة على الأداء، انتهاء بمقالات النعى للخنوع الأمريكى والسيطرة الكاملة للصهاينة على جميع المقدرات، وتقديس التطبيع واستخدامه سلاح تخوين، بشكل يجعلنا محصورين فى أقصى أمانينا، لاستصدار قرار بدلا من أن نحسن تقدير التفاعلات، وباتت قضية مثل استقبال صحيفة لشخصية إسرائيلية أهم كثيرا من الوصول إلى الرأى العام العربى والعالمى، ومهما عظمت البوادر الاستراتيجية للمبادرات، فلن تستطيع التقدم بدون رأى عام عالمى ومحلى، بل وإسرائيلى، خاصة المتمثل فى الجانب غير الرسمى للتقدم له بأمل فى مستقبل آمن، ودفع هواجسه ومخاوفه..
إن أقوال مثل أن عربة التطبيع لابد أن تأتى خلف الانسحاب الكامل هو حق يراد به عدم تفعيل واستثمار لقوى معينة مرة حكومية، ومرة أخرى أممية.
وإلى السادة الإعلاميين موضوعات أخرى تحقق للمبادرة نحو السلام الآن بعض الاعتبار:
1_ عملية السلام الآن وضعت مسائل مثل الظروف الدولية وكذلك الظروف الإقليمية مثل حكومة شرعية وغير شرعية، وضعت هذه المسائل فى مرتبة ثانية.
2_ بدأت فى تحريك المياه بخصوص تكريس الأمر الواقع الذى يتبناه الجانب الإسرائيلى فى شكل إجراءات أحادية تنقص كل يوم، بل كل دقيقة من حقوق الفلسطينيين.
3_ إضافة العمق الإسلامى للحل السلمى وما يعد هذا عاملا إضافيا للعمق السياسى والثقافى المكتسب.
4_ اقتراب من عوامل ضغط الأسواق، والتى تعتبر عاملا رئيسيا فى المعاملات السياسية الآن، وكذلك الاقتراب من أسواق الخليج لو أحسن استخدامها، فإن الشرق الأوسط يكتسب أساسيات القوة والمهنية على العالم.
حركه السلام تدور ولأول مرة فى شكل حربى جماعى يسقط من الجانب الإسرائيلى، محاولاته للحل المنفرد الذى دائما تحاول إسرائيل فرضه، والتى عانت منه مبادرة السلام الإسرائيلية المصرية،كما تعين المبادرة الفلسطينيين على الحفاظ على وحدتهم وتركز على المسائل الرئيسية وتدفع عنهم إقرار الاعترافات وتفسح عنهم شروط العنف التى فرضت عليهم.
إن البرنامج الإعلامى المنتظر حاليا لابد أن يستهدف فى المقام الأول المواطنين، فيكون التزامه هو بهم، والتعرف على هواجسهم فى التعامل مع السلام، ويضع الناس العاديين فى قلب أهدافه المرجوة للتحقيق، حتى نخلق رؤية عربية جديدة، تدفع إلى الخلاص من الواقع المر إلى بناء يعتمد على الحوار والتفاهم.