اكتشفت المخابرات السوفيتية مسئولا مهما يعمل جاسوسا لصالح أمريكا، فسألوه عن السبب الذى أعانه على التخفى وتأخرهم فى القبض عليه، فقال
- لم أكن أفعل شيئا، سوى أن اختار للمناصب القيادية أسوأ من يتقدم.
ونحن نختار لكل منصب أسوأ المتقدمين، نفعل هذا دون أن نكون خونة أو جواسيس، نفعل هذا متأثرين باللقاء الأول، ونختار المسئولين من خلال أحاديثهم فى التليفزيون.
وهذا ما قاله المسئول عن حريق مسرح قصر ثقافة بنى سويف فى نص تحقيق النيابة العامة؛ قال: إن سبب اختياره لهذا المنصب أن السيد الوزير شاهده يتحدث على شاشات التليفزيون أكثر من مرة فأعجب بفكره وبطريقته فى الكلام.
ذكرنى هذا بعدة أفكار رأيت أن أسردها عليكم، أولها ما حدث فى الشركة التى كنت أعمل بها، فقد تعين زميل لنا – خريج كلية تجارة – فى الإدارة المالية، وقابل المدير المالى فى حجرته، فتحدث عن المداد الأحمر والمديونية والدائنية وعن حساب البنك وعن أشياء أخرى كثيرة، فأعجب المدير المالى به وأرسله إلى الحسابات، فهو فى رأيه "رأسه كله حسابات"، واتصل بمدير الحسابات وقال له "أبشر، حابعت لك شاب خطير فى المحاسبة."
وجاء زميلنا هذا فاشرأبت الأعناق لرؤيته، فمنظره يوحى بأنه محاسب خطير، بنظارته وحقيبته المنتفخة، وقال مدير الحسابات لمساعده:
- جاء فى الوقت المناسب، فدفتر البنك فى حاجة لمحاسب محنك.
وأمسك زميلنا دفتر البنك – الذى يقيد فيه الشيكات الصادرة والواردة إلى شركتنا، ويقدم آخر الشهر الموقف المالى للشركة، فإذا به يتوه وسط أوراق البنوك والشيكات والقيود اليومية والمستندات الأخرى، وتأخر فى إصدار التسوية النهائية، فظن مدير الحسابات أن عبقريته ستظهر بعد أشهر قليلة يكون فيها قد تعود على العمل، لكنه ظل كما هو تائه حائرا، يأتى البعض لمساعدته لضبط دفتره وإصدار التسوية النهائية التى يستعجلها المدير المالى من وقت لآخر، فأسند إليه مدير الحسابات عملا آخر أقل شأنا حتى وصل إلى أقل الأعمال والتى كانوا يسمونها بـ "الرابش ورك"، لكنه خاب فى إنجازه، فكان لنا زميل طيب، يأخذ الأوراق ويسويها فى بيته، ويعطيها له فيقدمها إلى المدير مدعيا بأنه هو الذى أنجزها.
وظل زميلنا دون عمل، فكل عمل يقوم به، يفسده، إلى أن انتقل إلى شركة أخرى خدعت بشكله وحديثه المنمق وكلماته المتلاحقة، ونظارته وحقيبته التى لم أره يحمل فيها غير سندوتشاته.
أقصد بحكايتى هذه أن أقول إن القدرة على الحديث لا تؤكد – بالضرورة – أن صاحبها يجيد العمل، وكان معنا رئيس شركة يختار مساعديه من خلال حفل الإفطار السنوى الذى تقيمه الشركة فى رمضان، فيخطب زميل لنا أمامه فيسرع بتعيينه فى مركز مهم، ويكتشف بعد ذلك أنه لا يستحق هذا.
وذكرنى هذا – أيضا – بأستاذ جامعى كان يطل علينا كل يوم فى البرامج التليفزيونية فيتحدث بقدرة عجيبة، وكان – للحق- متأنقا بطريقة تلف الأنظار، وقتها قلت "الراجل ده عايز يبقى وزير."، وبالفعل أصبح وزيرا لوزارة تم الاستغناء عنها بعد ذلك، وارتحنا بعدها من أحاديثه المنمقة وكلماته المتلاحقة.
وفى إذاعة الإسكندرية انتقل مخرج للتمثيليات من إذاعة القاهرة، كان محبا للحديث، يناقش النص المقدم من المؤلف ويذكر المؤلفين العالميين، خاصة فى المسرح، ويسهر فى بيته أو فى بيت المؤلف لوش الصبح يتحدث عن النص المقدم ويناقشه كلمة كلمة، ويكاد يكون هو مؤلف العمل، وقد فعل هذا عدة مرات أحدها عندما اقترب من ضابط شرطة كبير كان فى حاجة إليه ليعينه على أن يدخل ابنه كلية الشرطة، فاقترح عليه أن يؤلف مسلسلا إذاعيا للإذاعة، وسهر معه ليال طويلة فى بيت ضابط الشرطة وفى بيته، إلى أن انتهيا من المسلسل، ومرة ثانية مع صحفى كان مديرا لمكتب مجلة مشهورة. وبالطبع لم يكتب ضابط الشرطة ولا الصحفى تمثيليات مرة أخرى.
وكان هذا المخرج رغم فصاحته وكلماته المتلاحقة، عندما يدخل الاستوديو ويجلس على مقعد الإخراج يتوه ويفقد أعصابه ولا يستطيع السيطرة على الممثلين .
ويقولون إن حزبا من الحزبين الكبيرين المشهورين فى أمريكا؛ تقدم لانتخابات الرئاسة بمحام وسيم الطلعة ذى جسد عملاق وحضور طاغ، وكان يجيد التحدث فى الجماهير، ونجح فى الانتخابات ودخل البيت الأبيض، لكنه لم يكن يجيد سوى الاحتفاء برسائل المعجبين والمعجبات والرد عليها، فإمكانياته لا تزيد عن ذلك، وأكمل مدته بالعافية، ولم يتقدم ثانية لمدة ثانية.
وفى الوسط الأدبى بالإسكندرية مجموعة تعشق الحديث فى الندوات، فتستطيع أن تتوقع من سيطلب الكلمة بعد انتهاء المحاضرة، فلابد أن يبدأ فلان بالحديث، فيشكر الضيف، خاصة لو كان من القاهرة، ويتحدث بكلمات ليس لها معنى ولا تضيف جديدا، وحدث أن جاء أحد هؤلاء متأخرا وجلس بجانبى وقد ضاع منه 99% من حديث المحاضر، فسألنى عن أهم ما قاله، ثم أسرع بطلب الكلمة وعلق كعادته.
وقد رأيت أحدهم يجلس متململا لأنه لا يجد ما يقوله أمام الضيف الكبير القادم من القاهرة، فاقترحت عليه ما يقوله، فوقف وقاله سعيدا منتشيا، وهؤلاء ليسوا أهم كتاب الإسكندرية، بل هم أقلهم شأنا ومعظمهم لم ينشر كتابا واحدا، ولم ينشر قصة أو قصيدة أو مقالة فى مجلة أو جريدة ذات شأن.
الغريب فى الأمر أن هؤلاء هم الذين يديرون الندوات فى قصور الثقافة والمراكز الثقافية الأخرى.