قليلة هى الأنباء السعيدة التى تأتى عبر الصحف والفضائيات هذه الأيام، ليس عيبا فى وسائل الإعلام، وإنما لأن مصر تغيرت بشكل كبير، قد نتفق أو نختلف على شكل هذا التغيير هل هو للأفضل أم للأسوأ، ولكل فريق حجته.
المتفائلون بالوضع الحالى يرون أن هذا التدفق اليومى من الأنباء السيئة لا يعنى تغيرا سلبيا فى المجتمع؛ بقدر ما هو تعبير عن حالة انفتاح إعلامى كبيرة، بحيث أن دبة النملة فى أبعد قرية فى صحراء مصر الشرقية أو الغربية أصبحت تجد طريقها لوسائل الإعلام دون حدود أو قيود.. وهذا صحيح جزئيا.
المتشائمون على العكس من ذلك يرون المساحة الكبيرة جدا من الأنباء السيئة وحوداث القتل والنصب والسرقة والاغتصاب وغيرها من الجرائم المفزعة التى تحفل بها الصحف دليل على أن المجتمع يتغير إلى الأسوأ، إلى درجة أننا لم نعد ننزعج من وحشية الجرائم اليومية، وأصبحنا نتعايش معها.. وهذا صحيح جزئيا أيضا.
مصر تتغير وتتبدل فى كل يوم، ولولا هذا الفيض الإعلامى من الصحف والتليفزونات والإنترنت ما تابعنا بشكل كبير مفردات التغيير الاجتماعى الذى يتسارع فى البنية المجتمعية المصرية.. وهو أمر يحتاج لدراسات اجتماعية ونفسية وسياسية واقتصادية لرصد مظاهر التغيير وحجمه وأسبابه.
ولأن الصحافة تلعب دورا مهما فى عملية الرصد والمكاشفة لذلك ورغم الحالة السوداوية التى تغلب على الإعلام الآن، فإن هذا لا يمنعنا من الشعور بالسعادة لأنباء عن عودة صحيفة البديل بعد توقف بسبب أزمة مالية عصفت بها.
وحسب الزميل محمد طعيمة فى صحيفة "العربى الناصرى" فبعد مجموعة مستثمرين كويتيين ويسارى مصرى مهاجر لإيطاليا رست الجريدة على رجل الأعمال أكمل قرطام ابن شقيقة صلاح دياب صاحب المصرى اليوم للفوز بالبديل وإعادتها للحياة.. ويقول طعيمة إنه تم الاتفاق على الإبقاء على الزميل خالد البلشى رئيسا للتحرير والحفاظ على الهيكل التحريرى للجريدة لكن السياسات التحريرية قد تتغير.
وسواء تغيرت السياسات التحريرية أم لا.. وسواء تحولت الصحيفة اليسارية إلى رأسمالية حسب توجهات أصحابها الجدد فإن عودة صحيفة للحياة هو حدث يستحق الاهتمام، فالبديل رغم عمرها القصير قدمت نموذجا فريدا فى الصحافة الخاصة، رغم أنها وقعت فى أخطاء إدارية وهيكلية عديدة وأديرت باعتبارها حالة يسارية وليست صحيفة يجب أن تخضع إداريا لقواعد السوق.
ولما كنت قد كتبت هنا فى اليوم الأول الذى توقفت فيه البديل لأعلن حزنى على غيابها عن الساحة الصحفية، فإننى أتمنى أن تتم صفقة إعادتها للحياة مرة أخرى.. ليس فقط من أجل الزملاء الصحفيين الذين تقطعت بهم السبل، وإنما لأن مصر فى حاجة لصحافة متعددة الألوان والاتجاهات رغم أن إصدار صحيفة مطبوعة هو أمر فى غاية الصعوبة الآن، فى ظل أزمة اقتصادية خانقة، وسيطرة الفضائيات والإنترنت على عالم المعلومات، وفى ظل أن عددا ليس بالقليل من الصحف العالمية تبحث التوقف عن الإصدار الورقى والاكتفاء بالتحول إلى صحف إلكترونية.
وكل ما أرجوه أن تعود البديل أكثر قوة، وأن يحافظ العاملون بها عليها حتى لا تتعرض للتوقف من جديد.. فنحن بحاجة للبديل وللمزيد من الصحافة الحرة القوية التى تنحاز إلى المواطنين فى هذا الزمن الصعب جدا.