ألا تذكرنا جثث العائدين أمواتا من ليبيا، بالنعوش الطائرة التى كانت تأتينا من العراق، ماذا يعنى وجود أكثر من 60 مصرياً ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام على جرائم قتل وسرقة ارتكبوها، ولماذا المصريون فى ليبيا بالذات، دون كل دول العالم، أصبحوا بين يوم وليلة، لصوصاً وسفاحين يقتلون أرباب العمل ويسرقونهم؟!
هناك لغز فيما يجرى يحتاج إلى الفهم، نعلم أن الجريمة واردة من شخص أو اثنين أو ثلاثة، وربما أكثر قليلا، لكن ليس واحداً وثلاثين شخصاً "بلاش 60" وفق معلومات أخرى منشورة ولم يكذبها أحد، أقدموا على نفس الفعل، وهذا ما يدعونا إلى التفكير فيما يحدث قبل فوات الأوان.
واقع العمل فى ليبيا غاية فى السوء، وللحق الذاهبون للعمل هناك هم مغامرون، حتى وإن كانوا متعاقدين، رغم قناعتى بأن الخارج من مصر للعمل، مضطر، ولو فى موزمبيق، لأننا لا نجد ما نعمله فى بلدنا، سوى الجلوس على المقاهى، أو العمل بلا ضمانات لمن يتحكمون فى الأرزاق والعباد.
سأحكى وقائع سريعة، من واقع تجربة شخصية مدة عامين، فى وزارة الإعلام الليبية بطرابلس، قبل الحصار من عام 1991 إلى 1993 شاهدت كيف يعامل المصريون هناك.. الشعارات التى تلف العاصمة عن "الشركاء لا الأجراء" شىء لا يمت للواقع بصلة، فأنت أجير حتى ولو كنت مديراً، حوادث السطو والسرقة جرت من ليبيين لمصريين، ولم يأخذوا فيها حقا ولا باطلا، وقيدت ضد مجهول، وكان سفيرنا هناك ــ أحمد الشاذلى آنذاك ــ لا حول له ولا قوة، ذهبت مرة إليه مستنجداً، لحقوق مزارعين تم الاعتداء عليهم، وسلبت منهم أموالهم، فأجده يقول: "ما لذى أتى بهم، يروحوا بلدهم أحسن".
العاملون فى ليبيا لا يتقاضون رواتبهم شهريا، كل ثلاثة شهور، وأحيانا كل 6 شهور، بأجور متدنية، لغير المتعاقدين، والمتعاقدون يحولون فقط نصف الراتب عبر البنك، والباقى يستبدلونه بطريقتهم من السوق السوداء، أما سوق العمل الحر ففيها مشاكل كثيرة، وتكون محظوظاً إن حزت ثقة صاحب العمل، أو مضحوك عليك، وستطرد بدون أجر فى النهاية.
فى الفندق الكبير بطرابلس، رأيت رئيس تحرير مصرى يبحث لمدة ثلاثة أيام، عن شخص مسئول عن إقامته، أخذ جواز سفره وتركه ومضى، والرجل لا هو قادر على المغادرة ولا استرد حقوقه أو جزءاً منها وهم مدينون له بأموال كثيرة، تقترب من المليون جنيه آنذاك، حقوق طباعة ونشر للدار التى يملكها. كما سألنى مرة أستاذ جامعى مرموق عن إمكانية توسط رئيس تحرير آخر معروف ونائب برلمانى ليرد له مبالغ مالية طرف الدولة الليبية، وعندما سألت هذا النائب، فاجئنى بأنه شخصيا له أموال عندهم ولم يستردها.
الحديث عن دفع الحقوق موضوع غريب عند جيراننا الليبيين، وإذا فتحنا الباب لمن لهم أموال عندهم، سنجد العجب العجاب، ومنذ عامين التقيت سائقا مصريا، دار على كل الصحف ينشر قصته مع الأمن الليبى على الحدود، وقد صادروا الأموال التى معه، والبضاعة التى يحملها، بعد أن سجنوه هناك لمدة ثلاثة أشهر، دون ذنب اقترفه، كما أفرجوا عنه دون سبب، بعد أن نهبوا بضاعته، وجاء الرجل يطرق الأبواب لرد البضاعة على الأقل وتساوى أكثر من 100 ألف جنيه مصرى لا تخصه، ومعه الأوراق التى تثبت ذلك، ولم يجنِ شيئاً لا من مسئول مصرى أو ليبى.
فى ليبيا أنت مطالب بالولاء لكل مقولات "الكتاب الأخضر" الذى تحفظه عن ظهر قلب على غير إرادتك، بسبب حصار تلك الشعارات لك فى كل مكان تذهب إليه، فى الشوارع والميادين والمحال والمطاعم حتى المزارع، والويل لك إن أظهرت تبرماً أو ضيقاً، ستكون الوشاية هى السبب الذى تدفع فيه من عمرك سجناً أو قتلاً أو مغادرة إجبارية بدون حقوق، وفى كل الأحوال، أنت لا تعلم لماذا؟
وحدث أن طردوا مصرياً فى موقع مسئولية كبير هناك، بسبب وشاية، وبالبيجامة، بعد منتصف الليل، وضعوه على الطائرة المتجهة إلى قبرص، لأنهم يعرفون أنه ممنوع من دخول مصر، ومطلوب فى قضية تخابر شهيرة تخصهم، أيام الرئيس السادات ومع أنه يعيش هناك تحت الحماية، فوجئ ذات ليلة بمن يقتادونه بهذه الطريقة المهينة، ولولا تدخل مسئول ليبى كبير علم بالحكاية صدفة ونفيه الوشاية للعقيد ما أعادوه فى 24 ساعة وما عرف أحد مصيره.
الجماهيرية العربية الليبية الشعبية العظمى، سبق لها الإفراج عن 5 ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطينى، نقلوا عمداً الإيدز لـ 460 طفلاً، لأنهم ببساطة وجدوا خلفهم من يتحدث باسمهم، ونحن فى مصر لا نعرف كيف تمت إدانة كل هؤلاء المصريين، وهل هم قتلة أم أبرياء، قادتهم ظروفهم التعسة إلى ما هم فيه، ونعرض الدية، ويرفضونها، ويسافر المسئولون ولا نعرف إلى ماذا وصلوا أو اتفقوا، ونناشد العقيد ولا يجيب، ولا منقذ لذلك الدم المنتظر إراقته، والنعوش القادمة تباعاً، فانتظروها؟!