خالد صلاح

محمود جاد

ما أغفله "شعيب" وما لم يدركه "هانى"

الثلاثاء، 28 يوليه 2009 08:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
كاتبان.. وثلاث مقالات.. وما يزيد على المائتى تعليق، شغلوا بال كتابهما وقرائهما على حد سواء، والمحصلة فى تقديرى لا تعدو صفراً.. قد تبدو فى نظر طرفى النزاع الأستاذين: الإخوانى هانى صلاح الدين والعلمانى سعيد شعيب، أنها "أم المعارك"، وربما يرى أحدهما، أنه حقق نصراً مؤزراً من عند الله، أو انتصر للحرية والمدنية التى تقودنا دوماً نحو الرقى، كلاهما سن القلم للدفاع عن دولته، الدولة الدينية أم المدنية، قبل الخوض فى التفاصيل، كلاهما أستاذى لا شك، ولهما منى كل احترام وتقدير وقبلهما الحب، وظنى أن كليهما يكفل لى حق الاشتباك فى الفكرة، والاختلاف فى الرأى.

الرصاصة الأولى فى "أم المعارك" جاءت علمانية، دفاعاً عن مصلحة البلد، مما اعتبره الأستاذ شعيب "مؤامرة إخوانية"، مشيراً إلى أن الإخوان لن يقبلوا ـ فى حال وصولهم للسلطة ـ بوجود معارضة، متهماً الأستاذ هانى صلاح الدين بأنه مخطئ فى الظن بأن الإخوان مؤسسو الدولة الدينية المنشودة بشراً، لا يمكن مقارنتهم بالنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخلفائه.. حتى هنا أنا متفق مع بعض مما استند إليه الأستاذ شعيب، بل أزيد بأن الخلفاء ليسوا بمعصومين فهم بشر، بين يدى خالقهم الآن، لهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا، وقالها الصديق ـ رضى الله عنه ـ "إن أخطأت فقومونى".

لكن الأستاذ سعيد، اكتفى بنقد الدولة الدينية، معتبراً أن مشروع الإخوان سيفرق بين الرجل والمرأة، والمسلم والمسيحى، ولم يعرض لنا نموذج دولة الحريات، لم يتجاوز منظور المدنية المحدود، ولم يقدم لنا سيناريو ولو بسيطاً لدولته التى يؤيدها، ويرسم أركانها فى خياله، كيف سيكون اقتصادها؟، وما هو برنامجها للنهوض بمستوى المعيشة لدى المصريين؟، كيف ستمنع رشاوى الانتخابات فى بلد يعيش غالبيته تحت خط الفقر؟، هل سيختلف برنامجها عن برنامج الحزب الوطنى، أم أنها ستكون مجرد تغيير فى الأشخاص؟، هل ستكون فى ظل أمريكا أم سترسم شخصية مستقلة بها، تعمل من خلالها مع محيطها العربى، وفق ما هو مشترك من مصالح، هل ستكون مستقلة القرار، حرة الإرادة، أم أن يديها ستكون مغلولة بالمعونة؟.

الإخوانى هانى صلاح، مؤمن بثوابته، يرى الصلاح فى تطبيق شرع الله على أرضه، ونظرياً لا يمكن الاختلاف فى ذلك، فتعاليم الدين، إسلاماً كان أم مسيحية، لو طبقت بحق لكان الوضع أفضل، لكن الخلاف هو: من سيتولى التطبيق؟، فالإخوان ليسوا "وكلاء شرع الله على الأرض"، وفى البدء والمنتهى هم بشر كالآخرين، لكن الأستاذ هانى ـ بعد الحمد والشكر على نعمة الإسلام ـ لو أطلق عنانه وتصور أنه ولد من جديد ليجد اسمه على سبيل المثال، "هانى جرجس"، يدنو من ربه أمام المذبح، وبين يدى قس الاعتراف، حينها كان سيتبنى وجهة نظر مغايرة، ربما كان أول من يقول لا، نحن نريدها دولة مسيحية، ونحن أصحاب هذا البلد الأصليون، وربما سيكون أقرب للاعتدال مناصراً للدولة المدنية لينضم إلى ركب اليسارى سعيد شعيب.

آثر هانى الرد على شعيب على طريقة "اتق الله وعيب اختشى"، مذكراً رجلاً تجاوز العقد الرابع من عمره، يبدو عاقلاً ومتزناً، بتعاليم دينه، فالله يا شعيب قال هذا ونبينا (صـ) نصحنا بذاك، ناسياً أنه لم يقدم جديداً للرجل، فهو يعى ويدرك بما يكفيه، ولا جرم له إلا أنه صاحب رأى آخر، ومشروع مختلف.

حدثنا هانى عن الإسلام، ولم يحدثنا عمن سيطبقه، انتقل بنا للحديث عن الإسلام، ليضع كل من هو معارض له أو للإخوان "ضد الإسلام"!!.. انشغل ـ شأنه فى ذلك شأن صديقه اللدود ـ كما وصفه ـ بدائرة فكرية بالغة الاتساع، ونظرية بعيدة عن التطبيق. كنت أود أن يناقشنا الرجل فيما أغفله الآخرون، كيف سينهض الإخوان بهذا البلد؟.. ما هو مشروعهم الاقتصادى؟.. أليس الإخوان مع الملكية الفردية المطلقة.. أليس مشروعهم رأسمالياً مطلقاً، لا يتعارض مع سيناريو الانفتاح الذى شطر كيان البلد نصفين بين ثراء فاحش وفقر مدقع، أم أن "بيت المال" سيحقق عدل الله بين البشر ويطعم الجائع ويؤوى الشريد، ويكفل اليتيم؟.

لم يحدثنا الرجل كيف ستكون مراسم زواج البيعة أو الخلافة بالديمقراطية؟ وأى بشر يقدر أن يقول للسلطة "لا"، ولا يبتغيها لابنه ثم حفيده.. لم يخبرنا أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال لنا "أنتم أعلم بشئون دنياكم"، وأكد أن تطبيق الحدود أمر واجب فى زماننا هذا، فلا بديل عن قطع يد السارق، ولا مجال للسؤال: لماذا سرق؟.

قد ينسى الرجل، أى رجل، يسارياً كان أم إخوانياً، أو حتى بلا انتماء فكرى أو سياسى، أن هناك بلداً وشعباً له مصالحه وضروراته، التى ربما تفوق طبيعة من يحكمه، هل هو ملتحٍ أم لا.. قد ينسى العلمانيون أن هناك "ملتزمين" مسلمين وأقباطاً داخل هذا البلد، لن يرضيهم الخروج عما هو مألوف من عادات وتقاليد، وقد ينسى الإخوان، أن هناك شريكاً قبطياً يغار على دينه، كما يغار المسلم، يتمنى لو يفتح التلفاز صباح الأحد ليجد قداساً يذاع على الهواء مباشرة، ويأمل أن يزين علم مصر بصليب، يرغب هو الآخر ـ لأنه بشر ـ فى دولة مسيحية.

ربما يغفل الجميع، أن هناك سقفاً يجمع ما يفوق الـ80 مليون مصرى، يجمع 22 دولة عربية، مشتركة فى مصالحها شاءت أم أبت جماعات المصالح التى تحكمها، فلا الحزب الوطنى هو مصر، ولا الهاشميون هم الأردن، ربما يغفل الجميع أن مصر خاضت 3 حروب، وظل اقتصادها متماسكاً حتى ما قبل الانفتاح، لم تشكُ الحكومة يوماً من تعداد السكان، ولم ينم مصرى "من غير عشا"، لم ينتحر مصرى عجز عن توفير حياة كريمة لأهل بيته، أو فشل فى الالتحاق بالسلك الدبلوماسى بحجة، أنه "غير لائق اجتماعياً"، كان المصريون يوماً يحبون هذا البلد، يعشقون ترابه، ولا يرضون بالعيش تحت سماء دونه، كانوا لا يعرفون فتنة طائفية ولا أقليات، ربما أجدر بنا أن نعمل على أن نعود لهذا الزمان، قد تكون فترة ما قبل الانفتاح شابها تجاوزات، قام عليها بشر أخطأوا تارة، وأصابوا تارة أخرى، قد تحتاج إلى إعادة تقييم، قد يكون لها جانب مظلم داخل المعتقلات والسجون، إلا أنها كانت بلا شك، الأفضل.. لا ندعو إلى استنساخ عصر أو تقديس زعيم ووضعه فى مصاف الآلهة، ولكن ندعو إلى دولة توفر للمصريين قوت يومهم، تصون لهم كرامتهم داخل البلد وخارجه، لا تبيع أبناءها للقراصنة، عجزاً عن توفير 6 ملايين دولار، ولا تعتبر مقتل مصرية محجبة بألمانيا حدثاً معتاداً.. هذا هو الطريق، وتلك هى الدولة.


موضوعات متعلقة:

هذا ليس دينك يا هانى
هذا هو ديننا يا شعيب
علمانية هانى صلاح الدين

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة