فى أمريكا محلات بيع الكتب من أكثر الأماكن التى يمكن أن تشعر بها بالترحاب. بل يمكنك أن تنسى هنا أن أمريكا تحتل الشرق الأوسط عسكريا.
فيمكنك قضاء شهورا كل يوم فى مكتبات بيع الكتب وقراءة الكتب والجرائد وتقوم ببعثرتها يمينا ويسارا وقراءتها من "الجلدة للجلدة" مجانا، ولا يقوم أى شخص بإجبارك حتى على شراء أى شىء. بل يقوم شخص لطيف بعد كل هذه الفوضى التى أحدثتها بلم الجرائد ووضعها على الأرفف مرة أخرى ليأتى شخص آخر ليبعثرها. ولو حدث هذا فى العالم العربى لقام صاحب المكتبة – على أقل تقدير - بحرمانك من المرور فى شارع مكتبته لعامين متتاليين.
لقد أصبحت هذه المكتبات لبيع الكتب مكانى البديل عن المكتب أقضى فيها ساعات العمل وشرب القهوة والشاى. وهى من الأماكن الجيدة التى تظهر فيها الروح الأصلية والحقيقية لمؤسسى الولايات المتحدة، أى بلد مؤسسة على الرخاء والثقة والهدوء. ومحلات الكتب كثيرة منها بارنز اند نوبل، ومنها بوردرز ومنها بوليتيكس اند بروز.
ومحل الكتب ملحق بداخله مقهى اسمه "سياتل بيست كوفي" أو "أفضل قهوة فى سياتل" تقدم فيها القهوة الطازجة بأشكال وروائح ومذاقات مختلفة. ثمن الكوب الصغير دولار و 80 سنتا أى حوالى عشرة جنيهات مصرية أو ريالين. وفى المكتبة يمكنك قراءة أى كتاب أو مجلة أو منشورة مجانا بدون شرائها.
وفى قسم المنشورات الدورية – والذى يختلف عن قسم الكتب أو قسم اسطوانات الموسيقى – أتمكن من الحصول على معظم الجرائد والمجلات تقريبا. فى هذه المكتبة لست بحاجة لدفع اشتراكات فى الجرائد. بل إن عدد الجرائد الذى يمكننى مطالعته يفوق ما يصل إلى مكتب أى صحيفة عربية فى أمريكا بمراحل.
وفى هذه المكتبة يظهر ثراء أمريكا الثقافى والعلمى على مستوى المؤسسات الشعبية والخاصة والتى تختلف حقا عن العداء الأمريكى الرسمى من المؤسسات الرسمية الأمريكية، الواضح فى السياسة الخارجية الأمريكية. فهنا توجد مجلة تقريبا لكل شىء.
وفى قسم الحدائق توجد العديد من المجلات تعلمك كيفية الاحتفاظ بجمال حديقة منزلك. طبعا الافتراض هنا أن لك منزل من الأصل فضلا عن كونه به حديقة. وكل فترة تقوم المكتبة بعرض أعداد من المجلات والكتب بأسعار مخفضة تحت بند "بارجن" (أو صفقة مالية) ويتم عرضها بخصومات كبيرة. وتبلغ الخصومات الحقيقية أحيانا 50 فى المائة أو أكثر.
ومكتبة بوردرز – مثلها مثل كل شىء فى أمريكا – ضخمة. ولتتخيل حجم المكتبة يمكنك أن تتخيل أنها بحجم 20 أو 25 مكتبة من حجم مكتبة مدبولى فى وسط القاهرة المعروفة فى ميدان طلعت حرب أو مكتبة الشروق فى نفس المنطقة. والقهوة هنا لذيذة. رائحتها عميقة. والجو هادئ ومريح. والتركيز عال.
إذا بقيت هنا نصف يوم فقط لربما نسيت أن أمريكا تحتل بلدين فى المنطقة العربية والإسلامية وأن بوارجها فى البحر والبر فى بلادنا العربية. لكن على الأقل هذا هو الجزء الجميل من أمريكا الحقيقية كما أراها فى يومياتى وهذا ما لا أتمنى أن يختفى أبدا.